ابن ميثم البحراني

42

شرح نهج البلاغة

من الإنسان . ولمّا كانت هذه الأمور أبدا في التغيّر والتقضّي المقتضى لمفارقة الإنسان لها وبعدها عنه لا جرم حسن إطلاق اسم الإدبار على تقضّيها وبعدها استعارة تشبيها لها بالحيوان في إدباره . فقيل لكلّ أمر يكون الإنسان فيه من خير وشرّ إذا كان في أوّله : أقبل ، وإذا كان في آخره وبعد تقتضيّه : أدبر ، وكذلك اسم الوداع فإنّ التقضّى لمّا استلزم المفارقة وكانت مفارقة الدنيا مستلزمة لأسف الإنسان عليها ووجده لها أشبه ذلك ما يفعله الإنسان في حقّ صديقه المرتحل عنه في وداعه له من الأسف على فراقه والحزن والبكاء ونحوه . فاستعير اسم الوداع له ، وكنّى بإعلامها بذلك عن الشعور الحاصل بمفارقتها من تقضّيها شيئا فشيئا ، أو هو إعلام بلسان الحال . الثاني : التنبيه على الإقبال على الآخرة والتيقّظ للاستعداد لها بقوله : ألا وإنّ الآخرة - قد أقبلت - وأشرفت باطَّلاع . ولمّا كانت الآخرة عبارة عن الدار الجامعة للأحوال الَّتي يكون الناس عليها بعد الموت من سعادة وشقاوة وألم ولذّة ، وكان تقضّى العمر مقرّبا للوصول إلى تلك الدار والحصول فيما يشمل عليه من خير أو شرّ حسن إطلاق لفظ الإقبال عليها مجازا . ثمّ نزّلها لشرفها على الدنيا في حال إقبالها منزلة حال عند سافل . فأسند إليها لفظ الإشراف . ولأجل إحصاء الأعمال الدنيويّة فيها منزله عالم مطَّلع . فأطلق عليها لفظ الاطَّلاع ، ويحتمل أن يكون إسناد الإشراف بكيفيّة الاطَّلاع إلى ربّ الآخرة ، وإنّما عبّر بالآخرة عنه تعظيما لجلاله كما يكنّى عن الرجل الفاضل بمجلسه وحضرته ويكون كيفيّة الاطَّلاع قرينة ذلك . الثالث : التنبيه على وجوب الاستعداد بذكر ما يستعدّ لأجله وهو السباق ، وذكر ما يستبق إليه وما هو غاية المقصّر المتخلَّف عن نداء اللَّه . وذلك قوله : وإنّ اليوم المضمار . إلى قوله : والغاية النار . كنّى باليوم عن عمر الإنسان الباقية له وأخبر بالمضمار عنها . واعلم أنّه قد ورد المضمار والسباق مرفوعين ومنصوبين : فأمّا رفع المضمار فلأنّه خبر أنّ . واليوم اسمها ، وإنّما أطلق اسم المضمار على تلك المدّة لما بينهما من المشابهة فإنّ الإنسان في مدّة عمره يستعدّ بالتقوى ويرتاض بالأعمال الصالحة لتكميل قوّته فيكون من السابقين إلى لقاء اللَّه والمقرّبين في حضرته كما يستعدّ الفرس بالتضمير