ابن ميثم البحراني

401

شرح نهج البلاغة

وباللَّه التوفيق . منها في ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم : مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ - ومَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ - فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ - ومَمَاهِدِ السَّلَامَةِ - قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الأَبْرَارِ - وثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الأَبْصَارِ - دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ - وأَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً - وفَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً - أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ - وأَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ - كَلَامُهُ بَيَانٌ وصَمْتُهُ لِسَانٌ أقول : المماهد : جمع ممهد ، والميم زائدة . وثنيت إليه : أي صرفت . والضغاين : الأحقاد . والنوائر : جمع نائرة ، وهى العداوة والمخاصمة : والأقران : الأخوان المقترنون . وأشار بمستقرّه إلى مكَّة وكونها خير مستقرّ لكونها أمّ القرى ومقصد خلق اللَّه ومحلّ كعبته ، ويحتمل أن يريد محلَّه من جود اللَّه وعنايته وظاهر كونه خير مستقرّ ، واستعار لفظ المنبت والمعدن ، وقد مرّ بيان وجه استعارتهما ، ومماهد السلامة محالّ التوطئة لها ، وهى كناية من مكَّة والمدينة وما حولها فإنّها محلّ لعبادة اللَّه والخلوة به الَّتي هي مهاد السلامة من عذابه ، وإنّما كانت كذلك لكونها دار القشف خالية عن المشتهيات والقينات الدنيويّة ، ويحتمل أن يريد بمماهد السلامة ما تقلَّب فيه ونشأ عليه من مكارم الأخلاق الممهّدة للسلامة من سخط اللَّه وفي قوله : وقد صرفت نحوه أفئدة الأبرار . تنبيه على أنّ الصارف هو لطف اللَّه وعنايته بهم بالفات قلوبهم إلى محبّته والاستضاءة بأنوار هداه ، ولمّا استعار لفظ الأزمّة للأبصار ملاحظة لشبهها بمقاود الإبل رشّح تلك الاستعارة بذكر الثنى وكنّى بذلك عن التفات الخلق إليه بأبصار بصايرهم وتلقىّ الرحمة الإلهيّة منه ثمّ استعار لفظ الدفن لإخفاء الأحقاد به بعد أن كانت ظاهرة مجاهرا بها . ولفظ الإطفاء لإزالة العدوات بين العرب بالتأليف بين قلوبهم كما قال تعالى في إظهار المنّة على عباده « وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ