ابن ميثم البحراني
394
شرح نهج البلاغة
إليهم ليقبل منهم حينئذ ما يطلب اليوم بغضه من نصرتهم له واتّباعهم لأمره وانقيادهم لهداه ويمنعونه إيّاه ، وكنّى عن قصر ذلك المقام المتمنّى له بمقدار زمان جزر الجزور ، وصدقه عليه السّلام في هذا الخبر ظاهر فإنّ أرباب السير نقلوا أنّ مروان بن محمّد آخر ملوك بنى أميّة قال يوم الزاب حين شاهد عبد اللَّه بن محمّد بن علىّ بن عبد اللَّه بن العبّاس : مارّا به في صفّ خراسان لوددت أنّ علىّ بن أبي طالب تحت هذه الرايات بدلا من هذا الفتى . والقصّة مشهورة . وباللَّه التوفيق . 91 - ومن خطبة له عليه السّلام فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ - ولَا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ - الأَوَّلُ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِي - ولَا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِيَ أقول : تبارك : قيل : مشتقّ من البروك المستلزم للمقام في موضع واحد والثبات فيه ، وقيل : من البركة وهو الزيادة ، وبالاعتبار الأوّل يكون إشارة إلى عظمته باعتبار دوام بقائه واستحقاقه قدم الوجود لذاته وبقاء وجوده لا عن استفتاح ولا إلى انقطاع ، وبالاعتبار الثاني إشارة إلى فضله وإحسانه ولطفه وهدايته ووجوه الثناء عليه . وقوله : الَّذي لا يبلغه بعد الهمم ولا يناله حدس الفطن . كقوله في صدر الخطبة الأولى لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن إلَّا أنّه أبدل الغوص هنا بالحدس : والحدس في اللغة الظنّ ، وفي اصطلاح العلماء لمّا كان الفكر عبارة عن حركة الذهن منتقلا من المطالب إلى المباديء ثمّ منها إلى المطالب كان الحدس عبارة عن جودة هذه الحركة إلى اقتناص الحدّ الأوسط من غير طلب وتجشّم كلفة ، وهو مقول بحسب التشكيك ، وهو بجميع اعتباراته وبأعلى رتبته قاصر عن تناول ذات الحقّ تعالى كما سبق . وقوله : الأوّل . إلى آخره . وقد مرّ تفسير أوّليّته وآخريّته غير مرّة . وباللَّه التوفيق .