ابن ميثم البحراني
390
شرح نهج البلاغة
فكان ذلك سببا لاضطرابهم وقتالهم وقتلهم ، وكذلك كنىّ باشتداد كلبها عن شدّة ما وقع منها من الشرور ، وكلب أهلها وحرصهم على القتل والقتال كناية بالمستعار في الموضعين . وقوله : فاسئلوني . إلى قوله : ومن يموت منهم موتا . تعرّض للأسؤلة عمّا سيكون ولم يكن ليجترئ على ذلك أحد غيره من بين ساير الصحابة والتابعين ، ولو ادّعى غير ذلك لكذّبه العيان وفضّحه الامتحان ، وروى أنّ قتادة دخل الكوفة فالتفّت عليه الناس فقال : سلوني عمّا شئتم . وكان أبو حنيفة حاضرا وهو إذن غلام حدث السنّ فقال : سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى . فسئلوه فانقطع فقال : أبو حنيفة كانت أنثى فقيل له : بم عرفت ذلك فقال : من كتاب اللَّه ، وهو قوله : « قالَتْ نَمْلَةٌ » ولو كان ذكرا لقال : قال نملة وذلك أنّ النملة تقع على الذكر والأنثى كالحمامة والشاة ، وإنّما يميّز بينهما بعلامة التأنيث فانظر إلى هذا المعجب بنفسه كيف انقطع عن سؤال يمكن الفطن أن يجيب عنه بأدنى سعى فكيف به إذا سئل عن الأمور المستقبلة الَّتي لا يتنزّلها من عالم الغيب إلَّا من أيّد بقوّة إلهيّة تكشف لنور بصيرته معها حجب الأسرار ، وقد بيّنا فيما سبق وجه تمكَّنه من الإخبار عمّا سيكون وكيفيّة ذلك ، وأراد بالساعة القيامة ، واستعار أوصاف الإبل ورعاتها وأصحابها من الناعق والقائد والسائق والمناخ والركاب والرحال للفئة المهديّة والضالَّة ومن يهديهم ويضلَّهم ملاحظة لشبههم بالإبل في الاجتماع والانقياد لقائد وداعي ، والضمير في أهلها يعود إلى الفئة . وقوله : ولو قد فقدتموني . إلى قوله : المسؤولين . كرائه الأمور ما يكرهون منها وحوازب الخطوب ما يصيبهم من الأمور العظيمة المهمّة وأطراق السائلين لحيرتهم في عواقب تلك الخطوب وما يكون منها وكيفيّة الخلاص وفشل كثير من المسؤولين : أي جنبوا عن ردّ الجواب لجهلهم بعواقبها وما يسئلون عنه منها . وقوله : ذلك . إشارة في أطراق السائلين وفشل المسؤولين .