ابن ميثم البحراني

39

شرح نهج البلاغة

يلزم الهمّ من الآلام البدنيّة على بدنه ، وتكرار ذلك منهم يشبه طريان المشروب وتجريعه . وقوله : أنفاسا . مجاز في الدرجة الثانية فإنّ النفس حقيقة لغويّة في الهواء الداخل والخارج في الحيوان من قبل الطبيعة . ثمّ استعمل عرفا لمقدار ما يشرب في مدّة إدخال الهواء بقدر الحاجة إطلاقا لاسم المتعلَّق على المتعلَّق ، ثمّ استعمل هاهنا في كلّ مقدار من الهمّ يرد عليه من قبل أصحابه وقتا فوقتا وهي درجة ثانية من المجاز . وقوله : وأفسدتم رأيي بالعصيان . من تمام شكايته منهم . ومعنى إفسادهم له خروجه بسبب عدم التفاتهم إليه عن أن يكون منتفعا به لغيرهم حتّى قالت قريش : إنّه وإن كان رجلا شجاعا إلَّا أنّه غير عالم بالحرب . فإنّ الخلق إذا رأوا من قوم سوء تدبير أو مقتضى رأى فاسد كان الغالب أن ينسبوه إلى رئيسهم ومقدّمهم ولا يعلمون أنّه عليه السّلام الألمعيّ الَّذي يرى الرأي كأن قد رأى وقد سمع ، وأنّ التقصير من قومه . ثمّ أردف ذلك بالردّ على قريش في نسبتها له إلى قلَّة العلم بالحرب بقوله : للَّه أبوهم . إلى آخره . وهي كلمة من ممادح العرب . ثمّ سألهم عن وجود من هو أشدّ للحرب معالجة أو أقدم منه فيها مقاما سؤالا على سبيل الإنكار عليهم ، ونبّه على صدقه بنهوضه في الحرب ومعاناة أحوالها عامّة عمره وهو من قبل بلوغ العشرين إلى آخر عمره . ثمّ بيّن أنّ السبب في فساد حال أصحابه ليس ما تخيّله قريش فيه من ضعف الرأي في الحرب كما يزعمون ، بل عدم طاعتهم له فيما يراه ويشير عليهم به وذلك قوله : ولكن لا رأى لمن لا يطاع . فإنّ الرأي الَّذي لا يقبل بمنزلة الفاسد وإن كان صوابا . والمثل له عليه السّلام . 27 - ومن خطبة له عليه السّلام أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وآذَنَتْ بِوَدَاعٍ - وإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ أَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ - أَلَا وإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وغَداً السِّبَاقَ - والسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ والْغَايَةُ النَّارُ - أَفَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ - أَلَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ