ابن ميثم البحراني
377
شرح نهج البلاغة
مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » ( 1 ) وبيان هذا التكريم من وجهين : أحدهما : قال أبو يزيد البسطاميّ : إنّ أنواع كرامات اللَّه تعالى في حقّ البشر غير متناهية كما قال تعالى « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها » هذا على سبيل الإجمال أمّا التفصيل فمن وجوه : الأوّل : أنّه سبحانه يمطر كلّ ساعة على المتوكَّلين مطر الكفاية كما قال تعالى « وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ » . الثاني : أنّه يمطر كلّ ساعة على المطيعين مطر المودّة كما قال تعالى « سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا » ( 2 ) . الثالث : أنّ يمطر على المجتهدين مطر الهداية كما قال تعالى « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » ( 3 ) . الرابع : أنّه يمطر على الشاكرين مطر الزيادة كما قال « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ . » الخامس : أنّه يمطر على المتذكَّرين مطر البصيرة كما قال تعالى « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » ( 4 ) الثاني : أنّ التكريم لآدم عليه السّلام وذريّته إمّا بأحوال داخلة في الإنسان أو خارجة عنه والداخلة فيها إمّا بدنيّة أو غيرها : أمّا البدنيّة الَّتي أكرم بها فأمور : الأوّل : الصورة الحسنة كما قال تعالى : « وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ » . الثاني : حسن القامة والتعديل كما قال تعالى « لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » وذلك أنّ الشيء كلَّما كان أكثر علوّا وارتفاعا كان أشرف في نوعه فإنّ أحسن الأشجار أعلاها امتدادا . الثالث : أنّه أكرمه بتمكينه من القيام والقعود والاستلقاء والانبطاح والاضطجاع وذلك أنّه تعالى ركَّب الخلق على أصناف أربعة : أحدها : ما يشبه القائمين كالأشجار ، وثانيها : ما يشبه الراكعين كالبهائم ، وثالثها : ما يشبه الساجدين كالحشرات الَّتي تدبّ على وجوهها وبطونها ، ومنها ما يشبه القاعدين كالجبال ثمّ إنّه سبحانه خلق الإنسان
--> ( 1 ) 17 - 72 . ( 2 ) 19 - 96 . ( 3 ) 29 - 69 . ( 4 ) 40 - 66 .