ابن ميثم البحراني
376
شرح نهج البلاغة
تعالى « أَو لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ » ( 1 ) البحث التاسع : في تمجيده باعتبار تخريقه للفجاج في آفاقها أي الطرق الواسعة في نواحيها كما قال تعالى « وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » ( 2 ) ثمّ باعتبار إقامته المنار للسالكين فيها . والإشارة بالمنار إمّا إلى لنجوم كما قال تعالى « وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ » أو إلى الجبال . الفصل الثاني : في تمجيده تعالى باعتبار خلقه لآدم واختياره له وإتمام نعمته عليه ، ومقابلته بالعصيان ومقابلة عصيانه بقبول توبته وإهباطه إلى الأرض وإكرام ذريّته بعده ببعثه الأنبياء منهم وإليهم وقسمته بينهم معيشتهم وآجالهم بالقلَّة والكثرة وابتلائه لهم بذلك ، وهو من قوله : فلمّا مهّد أرضه وأنفذ أمره . إلى قوله : وقاطعا لمرائر أقرانها ، واعلم أنّ الكلام في قصّة آدم عليه السّلام قد سبق في الخطبة الأولى مستوفى فلا نعيده غير أنّ في هذا الكلام فوائد : الفائدة الأولى : معنى قوله : مهّد أرضه أي جعلها مهادا كقوله تعالى « أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً » أو جعلها مهدا كقوله تعالى « جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً » وعلى التقدير الأوّل أراد أنّه لمّا خلقها بحيث يسهل على العباد أن يتصرّفوا فيها بالقعود والقيام والزراعة وساير جهات المنفعة وأنفذ أمره في خلق آدم خلقه بعد ذلك ، وعلى التقدير الثاني يكون لفظ المهد استعارة لها ملاحظة لتشبيهها بمهد الصبيّ في كونه محلّ الراحة والنوم . الفائدة الثانية : قوله : وأنفذ أمره أي في إيجاد مخلوقاته وتمامها فحكم على العالم بالتمام باختيار نوع الإنسان الَّذي هو تمام دائرة الوجود فقال له كن فكان . الفائدة الثالثة : قوله : خيرة من خلقه نصب على الحال ويحتمل النصب على المصدر والشاهد على كونه خيرة اللَّه من خلقه قوله تعالى « إِنَّ الله اصْطَفى آدَمَ » وقوله « وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ
--> ( 1 ) 32 - 27 . ( 2 ) 21 - 32 .