ابن ميثم البحراني
364
شرح نهج البلاغة
كانت هممهم فيه واحدة فلم يلتفتوا إلى شيء آخر ولم يفترقوا فيها . السابع والثلاثون : فهم اسراء الايمان . إلى قوله : ولا فتور . استعار لفظ الأسر ورشّح بذكر الربقة ونزّههم عن أن يجذبهم عن الايمان أحد الأمور الأربعة ، وقد سبق وجه تنزيههم عنها . الثامن والثلاثون : وليس في أطباق السماوات إلى قوله : عظما . المراد أنّ السماوات مملوّة بالملائكة فبين ساجد لوجه ربّه وبين ساعي مجدّ في أمره . واعلم أنّ في السماء ملائكة مباشرة لتحريكها وملائكة على رتبة من أولئك هم الآمرون لهم بالتحريك فيشبه أن يكون الإشارة بالساجدين منهم إلى الأمرين ، والسجود كناية عن كمال عبادتهم كناية بالمستعار ويكون الإشارة بالساعين المسرعين إلى المتولَّين للتحريك فأمّا زيادتهم بطول الطاعة علما بربّهم فلمّا ثبت أن حركاتهم إنّما هو شوقيّة للتشبّه بملائكة أعلى رتبة منهم في كمالهم بالمعارف الإلهيّة وظهور ما في ذواتهم بالقوّة إلى الفعل . وزيادة عزّة ربّهم عندهم عظما بحسب زيادتهم معرفتهم له تابعة لها كما نبّهنا عليه قبل . وباللَّه التوفيق . ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء . كَبَسَ الأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ - ولُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا - وتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا - وتَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا - فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا - وسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا - وذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا - فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً - وفِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً - وسَكَنَتِ الأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ - ورَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ واعْتِلَائِهِ