ابن ميثم البحراني
363
شرح نهج البلاغة
الرابع والثلاثون : ولم يأسرهم إلى قوله : اجتهادهم سلب لبعض أوصاف البشر عنهم فإنّ كثيرا من العابدين قد يصرفهم عن الاجتهاد في طاعة اللَّه سبب ما يظهر لهم من كمالات الدنيا وزينتها فيؤثرون ما قرب من السعي في تحصيله على ما يستبعدونه من تحصيل السعادة الأخرويّة الباقية ، وقد عرفت أنّ ذلك من جواذب الشهوات والغفلة عمّا وراء هذه الدار والملائكة مبرّؤون عن الشهوات وما يلزمها من أسر الأطماع الكاذبة لهم ، ولفظ الأسر استعارة لقود الأطماع إلى ما يطمع فيه . الخامس والثلاثون : ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم إلى قوله : رجلهم معنى هذه الشرطيّة أنّهم لو استعظموا ذلك لكان رجاؤهم لثواب عبادتهم عظيما فكان لقوّته ماحيا لإشفاقهم وخوفهم منه وهذا كما أنّ الإنسان إذا عمل لبعض الملوك عملا يستعظمه فإنّه يرى في نفسه استحقاق أتمّ جزاء له ويجد التطاول به والدالَّة عليه فيهوّن ذلك ما يجده من خوفه ، وكلَّما ازداد استعظامه لخدمته ازداد اعتقاده في قربه من الملك قوّة وبمقدار ذلك ينقص خوفه ويقلّ هيبته لكنّ الملائكة خائفون أبدا كما قال تعالى « يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ » . . . « وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ » فينتج أنّهم لا يستعظمون سالف عبادتهم . السادس والثلاثون : ولم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشيطان عليهم أي في إثباته واستحقاقه كمال العبادة وذلك لعدم سلطان عليهم وهو سلب لبعض أحوال البشر وكذلك قوله : ولم يفرّقهم إلى قوله : أخياف الهمم . تنزيه لهم عن أمور من عوارض البشريّة : أحدها : سوء التقاطع وهو كتقاطع المتعادين وتباينهم الناشي عن الغضب والشهوة . الثاني : غلّ الحسد ، وقد علمت أنّ الحسد رذيلة نفسانيّة تنبعث عن البخل والشره ومنبعهما النفس الأمّارة . الثالث : تشعّب مصارف الريب لهم والريب الشكوك والشبه ومصارفها هي الأمور الباطلة الَّتي تنصرف أذهانهم إليها عن الشبه أو تلك الشبهة والشكوك أنفسها وتشعّبها لهم اقتسامها بحيث يذهب كلّ واحد من شبهة إلى باطل ، وقد علمت أنّ منشأ الشكوك والشبهات هو الوهم والخيال ، ولمّا كانوا مبرّئين عن النفوس الأمّارة وجب تنزيههم عن هذه الأمور الثلاثة ، الرابع : لمّا كان معبودهم واحدا وهو غاية مطلوبهم