ابن ميثم البحراني

344

شرح نهج البلاغة

جميع ذلك . وقوله : فأقام من الأشياء أودها . إلى قوله : والهيئات . إقامته لأودها رفعه لاعوجاج كلّ شيء بإعداده لما ينبغي له وإفاضة كماله ، ونهجه لجددها أو لحدودها على الروايتين هو ايضاحه لكلّ شيء وجهته وغايته الَّتي تيسّرها له ، وملائمته بين متضادّها كجمعه العناصر الأربعة على تضادّ كيفيّاتها في مزاج واحد وقد سبق بيانه ، ووصله لأسباب قرائنها إشارة إلى أنّ الموجودات لا تنفكّ عن أشياء تقترن بها من هيئة أو شكل أو غريزة ونحوها واقتران الشيئين لا محالة مستلزم لاقتران أسبابهما واتّصالهما لاستحالة قيام الموجود بدون أسبابه ، وذلك الوصل مستند إلى كمال قدرته إذ هو مسبّب الأسباب . وقال بعض الشارحين : أراد بالقرائن النفوس . وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى وصله لأسبابها هدايتها إلى عبادته وما هو الأولى بها في معاشها ومعادها وسوقها إلى ذلك إذ المفهوم من قول القائل : وصل الملك أسباب فلان . إذا علَّقه عليه ووصله إلى برّه وإنعامه ، والأوّل أظهر . وقوله . وفرّقها أجناسا مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات . لا يريد بالأجناس والحدود ما اصطلح عليه قوم في عرفهم بل ما اختلف بالأمور المذكورة كلَّها أو بعضها فهو مختلف الجنس لغة ، وحدّ الشيء منتهاه وما يحيط به ، والأقدار المقادير والأشكال أيضا ، والغرائز القوى النفسانيّة والأخلاق والهيئات والصفات . وإن حملنا الحدود على ما هو المتعارف كان حسنا فإنّ حكمة الخالق سبحانه اقتضت تميّز بعض الموجودات عن غيرها بحدودها وحقايقها وبعضها بأشكالها وهيئاتها ومقاديرها وغرائزها وأخلاقها كما يقتضيه نظام الوجود وأحكام الصنع وحكم الإرادة الإلهيّة . وقوله : بدا يا خلايق أحكم صنعها وفطرها على ما أراد وابتدعها . أي هي بدايا : أي عجائب مخلوقات أحكم صنعها على وفق إرادته . وباللَّه التوفيق . منها في صفة السماء : ونَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا - ولَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا