ابن ميثم البحراني
343
شرح نهج البلاغة
واستصعابه عن ذلك الأمر ، وأمره له إشارة إلى توجيه أسبابه بحسب القضاء الإلهيّ عليه بذلك . وقوله : وكيف وإنّما صدرت الأمور عن مشيئته : أي وكيف يستعصب . ثمّ أشار إلى علَّة عدم استصعابه وسرعة طوعه وانقياده بذكر علَّته وهو استناد جميع الآثار إلى مشيئته . إذ كلّ أثر فهو واجب عن مؤثّره والكلّ منته في سلسلة الحاجة إلى إرادته واجب عنها وقد علم ذلك في العلم الإلهيّ . وقوله : المنشي أصناف الأشياء . إلى قوله : عجائب الأمور . قد سبق في الخطبة الأولى بيان أنّ الرويّة والفكر والتجربة ممّا يلحق الإنسان ويخصّه وأنّ الباري سبحانه منزّه عن شيء منها في كيفيّة إبداعه لخلقه ، وأمّا الشريك فمنزّه عنه ببرهان الوحدانيّة كما سبقت الإشارة إليه أيضا . وقريحة الغريزة قوّة الفكر للعقل . وقوله : فأتمّ [ فتمّ خ ] خلقه وأذعن لطاعته وأجاب إلى دعوته . تمام مخلوقاته من جهة جوده بإفادتها ما ينبغي لها فإن عرض لشيء منها فوت كمال فلعدم استعداده وقبوله لذلك وإذعانه ذلَّته في رقّ الحاجة والإمكان وتصريف القدرة وإجابته إلى دعوته كونه في الوجود عن قوله : « لكِنْ » . وقوله : ولم يعترض دونه ريث المبطئ ولا أناة المتلكَّىء . تنزيه لفعله تعالى وأمره أن يعرض في طاعة الأشياء له شيء من هذه الكيفيّات إذ كلّ شيء في قهره وعلى غاية من السرعة إلى إجابة أمره ولما كان تعالى « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ، وفي قوله كن هبة ما ينبغي لذلك المأمور وما يعدّه لإجابة أمره بالكون في الوجود ويجب عنه فكيف يمكن أن يعرض له في إجابة الأمر بطوء أو تلكَّىء بل يكون كلمح البصر كما قال تعالى « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » ويحتمل أن يكون ذلك تنزيها له تعالى أن يعرض له من جهة ما هو فاعل شيء من هذه الكيفيّات فإنّ البطؤ والأناة والتلكَّىء من عوارض الحركة الَّتي هي من عوارض الجسم ، واعتراضها فيمن يفعل بالآلة وتشتدّ حركته وتضعف ، وقد علمت تنزيه اللَّه تعالى عن