ابن ميثم البحراني

308

شرح نهج البلاغة

الثانية : تركهم الاقتداء بعمل الوصيّ وهو إشارة إلى نفسه وهذه أقطع لإعذارهم فإنّ الاختلاف في الدين قد يعرض عن ضرورة وهى عدم إصابة الكلّ للحقّ مع عدم الشارع الَّذي يرجع إليه في التوقيف على أسرار الشريعة فأمّا إذا كان الموقف موجودا بينهم كمثله عليه السّلام امتنع أن يقعوا في تلك الضرورة فيعتذروا بها في الاختلاف . الثالثة : تركهم الإيمان بالغيب : أي التصديق به والطمأنينة في اعتقاده . وللمفسّرين في تفسير الغيب أقوال : أحدها : عن ابن عبّاس : هو ما جاء به من عند اللَّه . الثاني : عن عطاء : هو اللَّه سبحانه . الثالث : عن الحسن : هو الدار الآخرة والثواب والعقاب والحساب . الرابع : قيل : يؤمنون بظهر الغيب كقوله تعالى « يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ » فالمعنى قوله عليه السّلام : أي لا يحفظون شرايط الإيمان في عقيب بعضهم على بعض . الخامس : عن ابن عيسى : الغيب ما غاب عن الحواسّ ممّا يعلم بالدليل . السادس : عن الأخفش يؤمنون بما غاب عن أفهامهم من متشابهات القرآن . الرابعة : تركهم العفّة عن عيب وهو إشارة إلى الغيبة وظاهر أنّها فجور وعبور إلى طرف الإفراط من فضيلة العفّة . وأمّا فعلهم لما لا ينبغي فأمور : أحدها : أنّهم يعملون في الشبهات : أي لا يتوقّفون فيما أشبه عليهم أمره ولا يبحثون عن وجه الحقّ فيه بل يعملون فيه بما قادهم إليه الهوى . الثاني : كونهم يسيرون في الشهوات لمّا لحظ مشابهة ميل قلوبهم إلى شهواتها الدنيويّة وانهماكها فيها قاطعة مراحل الأوقات بالتلذّذ لسلوك السائر في الطريق ونحوها استعار لذلك السلوك لفظ السير . الثالث : كون المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر ما أنكروا : أي أنّ المعروف والمنكر تابعان لإرادتهم وميولهم الطبيعيّة فما أنكرته طباعهم كان هو المنكر بينهم وإن كان معروفا في الشريعة وما اقتضته طباعهم ومالت إليه كان هو المعروف بينهم وإن كان منكرا في الدين ، والواجب أن يكون إرادتهم وميولهم تابعة لرواسم الشريعة في اتّباع ما كان فيها