ابن ميثم البحراني
307
شرح نهج البلاغة
أي من الأهوال الَّتي كنتم ترونها من المشركين في مبدء الإسلام حيث كنتم قليلين وأمرتم أن يثبت الواحد منكم لعشرة منهم ثمّ أيّدكم اللَّه بنصره بالتأليف بين قلوبكم وجبر عظمكم بمن أسلم ودخل في دينكم وذلك أيّ معتبر وفيه أيّ اعتبار فإنّكم لو لم تتّحدوا في الدين وتقاسوا مرارة ذلك النصير واختلفت آراؤكم في ذلك الوقت كاختلافها الآن ، وكنتم إذن على غاية من الكثرة لم تغن عنكم كثرتكم شيئا فكأنّه قال : فيجب من ذلك الاعتبار أن لا تفترقوا في الرأي وأن تتّحدوا في الدين وتراجعوا أعلمكم بأصوله وفروعه . وقوله : فما كلّ ذي قلب بلبيب . إلى قوله : ببصير . أراد بذي القلب الإنسان ، وظاهر أنّ الإنسان قد يخلو عن اللبّ وأراد باللبّ العقل والذكاء واستعماله فيما ينبغي على الوجه الَّذي ينبغي ، وبالجملة فاللبيب من ينتفع بعقله فيما خلق لأجله وكذلك السميع والبصير هما اللذان يستعملان سمعهما وبصرهما في استفادة العبرة وإصلاح أمر المعاد ونحوه قوله تعالى « أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها » ( 1 ) وقوله « أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ » ( 2 ) وفائدة هذه الكلمات تحريك النفوس إلى الاعتبار كيلا يعدّ التارك له غير لبيب ولا سميع ولا بصير . وقوله : يا عجبا . إلى آخره . أردف تعجّبه بما يصلح جواب سؤال مقدّر عمّا يتعجّب منه فكأنّه فهم من تقدير ذلك السؤال تعجّب السائل من تعجّبه المستلزم لتبرّمه وتضجّره حتّى كأنّ السائل قال : وممّ تتعجّب وعلام هذا التبرّم والأسف فقال : ما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق . ثمّ شرع في تفصيل الخطايا والمذامّ الَّتي كان اجتماعها فيهم سببا لتعجّبه منهم فأشار إلى تركهم لما ينبغي وقدّم على الكلّ ذكر اختلاف حججهم في دينهم وذلك هو الأصل الَّذي نشأت عنه أكثر هذه الرذائل فأمّا تركهم لما ينبغي ففي صور : أحدها : تركهم لاقتصاص أثر نبيّهم فإنّهم لو اقتصّوا أثره لما اختلفوا إذ لا اختلاف فيما جاء به كما سبق بيانه لكنّهم اختلفوا فلم يقتصّوا أثر نبيّهم .
--> ( 1 ) 7 - 194 . ( 2 ) 22 - 45 .