ابن ميثم البحراني
303
شرح نهج البلاغة
ولذلك ذكر هذه القضيّة مرتّبة بفاء التعليل . وقوله : وأعذروا من لا حجّة لكم عليه وهو أنا . طلب عليه السّلام العذر منهم فيما يلحقهم من عذاب اللَّه بسبب تقصيرهم فإنّ الضرر اللاحق لهم قد أنذروا به وتوعّدوا فلو قصّر هو عليه السّلام في تذكيرهم بتلك الوعيدات أو الإنذارات مع كون ذلك مأخوذا عليه من اللَّه تعالى فكانت حجّتهم عليه قائمة ولمّا كان له عذر لكنّه بلَّغ وحذّر وقد أعذر من أنذر وإنّما ذكَّرهم بسلب الحجّة عنهم في ذلك ليتذكَّروا خطأهم ولعلَّهم يرجعون . وقوله : ألم أعمل فيكم إلى قوله : من نفسي . تفصيل لما جاءهم به من الجواذب إلى اللَّه فأعذر إليهم بها وأتى بلفظ الاستفهام على سبيل التقريع والتبكيت والثقل الأكبر كتاب اللَّه ، وأشار بكونه أكبر إلى أنّه الأصل المتّبع المقتدى به ، والثقل الأصغر الأئمّة من ولده عليهم السّلام ، وكنّى براية الإيمان عن سنّة المتّبعة وطريقة الواضحة في العمل بكتاب اللَّه وسنّة رسوله كناية بالمستعار ، ووجه المشابهة كونه طريقة يهتدى بها إلى سلوك سبيل اللَّه كما يهتدى بالأعلام والرايات أمام الجيش وغيره ، ولفظ الركز ترشيح للاستعارة كنّى به عن إيضاحها لهم وتوقيفه على حدود الحلال والحرام تعريفهم إيّاها وأراد بالعافية السلامة عن الأذى الحاصل من أيدي الظالمين ، واستعار لفظ اللباس لها ، ووجه الاستعارة أنّ العافية تشمل المعافى كالقميص ، وكذلك استعار لفظ الفرش للمعروف لكونه إذا وطيت قواعده يستراح به كالفراش . وقوله : وأريتكم كرايم الأخلاق من نفسي : أي أوضحتها لكم وشاهدتموها منّى متكرّرة . وقوله : فلا تستعملوا الرأي إلى آخره . نهى لهم عن الاشتغال بالخوض في صفات اللَّه والبحث عن ذاته على غير قانون واستاد مرشد بل بحسب الرأي والتخمين فإنّ تلك الدقايق لمّا كانت لا ساحل لها ولا غاية يقف الفكر عندها وإن تغلغل في أعماقها وكانت مع ذلك في غاية العسر والدقة وكثرة الاشتباه