ابن ميثم البحراني
304
شرح نهج البلاغة
كان تداولهم للاشتغال بها مؤدّيا إلى الخبط وافتراق المذاهب وتشتّت الكلمة والاشتغال بذلك عن الانتظام في سلك الدين والاتّحاد فيه كما عليه من ينتسب إلى العلم بعده وكلّ ذلك منه مطلوب الشارع فإنّ الألفة والاتّحاد في الدين من أعظم مطلوباته ويحتمل أن يريد مطلق دقايق العلم وتفريع الفقه على غير قانون من إمام هدى بل الرأي عن أدنى وهم . منها : حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ - تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وتُورِدُهُمْ صَفْوَهَا - ولَا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ سَوْطُهَا ولَا سَيْفُهَا وكَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ - بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً - ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً أقول : معقولة : محبوسة . والمجّة : الفعلة من مجّ الشراب إذا قذفه من فيه . والبرهة : المدّة من الزمان فيها طول . ولفظ كذا : ألقاه من فيه . وهذا الكلام من فصل يذكر فيه حال بنى أميّة وطول مدّتهم وبلاء الخلق بهم فقوله : يظنّ الظانّ . إلى قوله : سيفها . غاية من غايات طول عناء الناس معهم واستعار للدنيا أوصافا : أحدها : كونها معقولة ، ووجه الاستعارة ملاحظة شبهها بالناقة في كونها محبوسة في أيديهم كما تحبس الناقة بالعقال . الثاني : كونها ذات درّ نمنحهم إيّاه ، ووجه الاستعارة أيضا تشبيهها بالناقة في كون ما فيها من فوائدها وخيرها مهيّئة لهم ومصبوبة عليهم كما تبذل الناقة درّها حالبها . الثالث : كونها توردهم صفوها ، ونسبة الايراد إليها مجاز ، وتجوّز بالسوط والسيف فيما فيه الأمّة معهم من العذاب والقتل ونحوه استعمالا للفظ السبب في المسبّب وقوله : وكذب الظانّ لذلك . إلى آخره ردّ لما عساه يظنّ من ذلك بتحقير ما حصلوا عليه من الأمر ولذّتهم به وتحقير مدّته ، واستعار لذلك لفظ المجّة ، وكنّى بكونها مطعومة لهم عن تلذّذهم ها مدة إمرتهم ، وبكونها ملفوظة عن زوال الآخرة عنهم ، وأكَّد