ابن ميثم البحراني
295
شرح نهج البلاغة
( لا ) كونه يقول فيفهم وذلك لمشاهدته عين الحقّ من غير شبهة تعتريه فيما يقول ولا اختلاف عبارة عن جهل بالمقول . ( لب ) كونه يسكت فيسلم أي من خطر القول . ولمّا كانت فايدة القول الإفهام والإفادة ، وفايدة السكوت السلامة من آفات اللسان وكان كلامه في معرض المدح لا جرم ذكرهما مع فائدتهما . والمقصود أنّ العارف يستعمل كلَّا من القول والسكوت في موضعه عند الحاجة إليه فقط . ( لج ) كونه قد أخلص للَّه فاستخلصه وقد عرفت أنّ الإخلاص للَّه هو النظر إليه مع حذف كلّ خاطر سواه عن درجة الاعتبار ، واستخلاص الحقّ للعبد هو اختصاصه من بين أبناء نوعه بالرضى عنه وإفاضة أنواع الكمال عليه وإدنائه إلى حضرة قدسه وانفراده بمناجاته . وظاهر أنّ إخلاصه سبب استخلاصه كما قال تعالى « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا ونادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا » ( 1 ) . ( لد ) فهو من معادن دينه . استعار لفظ المعدن له ، ووجه المشابهة اشتراكهما في كون كلّ منهما أصلا تنتزع منه الجواهر : من المعادن أنواع الجوهر المحسوسة ، ومن نفس العارف جواهر العلوم والأخلاق وسائر ما اشتمل عليه دين اللَّه ( له ) كونه من أوتاد أرضه استعار له لفظ الوتد ، ووجه المشابهة كون كلّ منهما سببا لحفظ ما يحفظ به فبالوتد يحفظ الموتود ، وبالعارف يحفظ نظام الأرض واستقامة أمور هذا العالم ، وقد سبق مثله في الخطبة الأولى : ووتّد بالصخور ميدان أرضه . ( لو ) كونه لزم نفسه العدل فكان أول عدله نفى الهوى عن نفسه . لمّا كان العدل ملكة تنشأ من الملكات الثلاث : وهى الحكمة والعفّة والشجاعة ، وكان العارفون قد راضوا أنفسهم بالعبادة وغيرها حتّى حصلوا على هذه الملكات الخلقيّة لا جرم كان بسعيه في حصولها قد ألزم نفسه العدل ، ولمّا كان العدل في القوّة الشهويّة وهو أن يصير عفيفا لا خامد الشهوة ولا فاجرا أصعب من العدل على ساير القوى لكثرة موارد الشهوة
--> ( 1 ) 19 - 52