ابن ميثم البحراني
296
شرح نهج البلاغة
وميلها بالإنسان إلى طرف الإفراط ولذلك كان أكثر المناهي الواردة في الشريعة هي موارد الشهوة لا جرم كان مقتضى المدح أن يبدء بذكر نفى الهوى عن نفسه ، ولأنّ السالك أوّل ما يبدء في تكميل القوّة العلميّة بإصلاح القوّة الشهويّة فيقف عند حدود اللَّه ولا يتجاوزها في مأكول أو منكوح أو كسب ونحوه . ( لز ) كونه يصف الحقّ ويعمل به أي يتبع قول الحقّ بعمله فإنّ الخلف في القول عند الخلق قبيح ومع اللَّه أقبح ولذلك عاتب اللَّه المؤمنين « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » ( 1 ) وكانوا قالوا : لنفعلنّ في سبيل اللَّه ما فيه رضاه . فلمّا كان يوم أحد لم يثبتوا . وأكَّد عتابه بشدّة مقته لخلفهم وعدم مطابقة أقوالهم لأفعالهم . ( لح ) كونه لا يدع للخير غاية إلَّا أمّها لمّا فرغ من جزئيّات أوصاف العارف شرع فيها إجمالا فذكر أنّه طالب لكلّ غاية خيريّة : أي لا يقنع ببعض الحقّ ويقف عنده بل يتناهى فيه ويستقصي غاياته . ( لط ) وكذلك هو قاصد لكلّ مظنّة له ومظنّته كلّ محلّ أمكنه أن ينتزعه منه ويستفيده كالأولياء ومجالس الذكر وغيرها . ( م ) كونه قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده . إلى آخره فتمكينه الكتاب كناية عن انقياده لما اشتمل عليه من الأوامر والنواهي ، واستعار لفظ الزمام لعقله ووجه المشابهة ما يشتركان فيه كون كلّ منهما آلة للانقياد ، وهى استعارة لفظ المحسوس للمعقول ، وكذلك استعار لفظ القائد للكتاب لكونه جاذبا بزمام عقله إلى جهة واحدة مانعا عن الانحراف عنها وكذلك لفظ الإمام لكونه مقتديا به ، وقوله : يحلّ حيث حلّ ثقله وينزل . استعار وصفى الحلول والنزول الَّذين هما من صفات المسافر ، وكنّى بحلوله حيث حلّ عن لزوم أثره والعمل بمقتضاه ومتابعته له في طريق سفره إلى اللَّه بحيث لا ينفكّ عنه وجودا وعدما ، وباللَّه التوفيق . الفصل الثاني : قوله :
--> ( 1 ) 61 - 2