ابن ميثم البحراني
285
شرح نهج البلاغة
ولمّا كانت السعادة الأخرويّة أعظم ما يتنافس فيه لا جرم كان أعظم مغبون من لم يفز بها فلذلك حصر المغبون فيه على طريق المبالغة وهو خبر في معنى النهى عن المعصية ، ونفّر عنها بذكر غبن النفس . الرابع : قوله : والمغبوط من سلم له دينه والغبطة أن يتمنّى الإنسان مثل ما لغيره من حال أو مال مع قطع النظر عن تمنّى زوال تلك الحال عمّن هي له ، وبهذا القيد يتميّز عن الحسد ، والقضيّة ظاهرة ممّا قبلها فإنّه لمّا كان من سلم دينه فائزا بالسعادة الكبرى الباقية مع كونها أجلّ ما يغبط به ويتنافس فيه لا جرم كان هو أعظم مغبوط ولذلك حصر المغبوط فيه مبالغة ، ورغَّب في المحافظة على الدين بكون من سلم له مغبوطا . الخامس : قوله : والسعيد من وعظ بغيره وقد صارت هذه القضيّة في معنى المثل : أي السعيد في الآخرة من اعتبر حال غيره فشاهد بعين بصيرته مصير الظالمين فخاف عاقبتهم فعدل عن طريقهم وتذكَّر حال المتّقين فمال إلى جادّتهم وسلك مسالكهم ورغَّب في الاتّعاظ بالغير بذكر استلزامه للسعادة . السادس : وكذلك الشقيّ في الآخرة من انخدع لهواه وغروره ونفّر عن اتّباع الهوى بذكر الخداع والغرور . السابع : التنبيه على أنّ يسير الرياء شرك وقد سبق منّا بيان أنّ الرياء في العبادة وإن قلّ التفات مع اللَّه إلى غيره وإدخال له بالقصد بالعمل والطاعة وذلك في الحقيقة شرك خفىّ اتّفقت عليه أرباب القلوب . الثامن : قوله : ومجالسة أهل الهوى منساة للايمان ومحضرة للشيطان أراد بأهل الهوى الفسّاق المنقادين لدواعي الشيطان إلى الشهوات الخارجة عن حدود اللَّه ، ونفّر عن مجالستهم بأنّها محلّ للأمرين : أحدهما : نسيان الإيمان وهو ظاهر فإنّ أهل الهوى أبدا مشغولون بذكر ما هم فيه من لعب ولهو خائضون في أصناف الباطل و . أنواعه فمجالستهم عن رغبة مظنّة الغفلة عن ذكر اللَّه والانجذاب إلى ما هم عليه عن الأعمال الصالحة وتلك أركان الإيمان وقواعده ، وقد علمت أنّ كثرة الغفلات عن الشيء تؤول إلى نسيانه وانمحائه عن لوح الخيال والذكر ، وربّما يتجوّز في مطلق الغفلة عن أوقات العبادة و