ابن ميثم البحراني

286

شرح نهج البلاغة

الذكر بالنسيان تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه . الثاني : كونها محلَّا لحضور الشيطان ، وقد علمت معنى الشيطان وأنّ كلّ محلّ عصى اللَّه فيه فهو محضر للشيطان وموطن له . التاسع : الأمر بمجانبة الكذب ونفّر عنه بقوله : فإنّه مجانب للإيمان ، وهو حديث نبويّ ، ومعنى المجانبة كون كلّ منهما في جانب فإن كانت الأعمال الصالحة داخلة في مسمّى الايمان فالصدق من جملتها ومضادّ الصدق مضادّ للايمان وأحد الضدين مجانب للآخر فالكذب مجانب للايمان ، وإن لم يكن كذلك قلنا : إنّ الكذب أعظم الرذائل الموبقة ، والايمان أعظم الفضايل المنقذة ، وبين الفضايل والرذائل منافاة ذاتيّة فالكذب مناف للايمان ومجانب له ، ويحتمل أن يكون معنى مجانبته له كونه غير لايق أن يجامعه في محلّ واحد وغير مناسب له . وبالجملة كونه ليس منه في شيء ، وقد بيّنا ما يشتمل عليه الكذب من المضارّ المهلكة ، ثمّ أردف ذلك بالترغيب في الصدق بكون الصادق على شرف منجاة : أي مشارف لنجاة وكرامة أو لمحلَّهما وهو الجنّة إذ الصدق باب من أبوابها ثمّ بالتنفير عن الكذب بكون الكاذب على شرف مهواة ومهانة : أي هوى وهوان أو محلَّهما وهو حضيض الجحيم الَّذي هو محلّ الهوان إذ الكذب باب من أبوابها ، ومن انتهى إلى الباب فقد شارف الدخول ، وعن الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إيّاكم والكذب فإنّه يهدى إلى الفجور ، وإنّ الفجور يهدى إلى النار ، وإنّ الرجل ليكذب حتّى يكتب عند اللَّه كذّابا ، وعليكم بالصدق فإنّ الصدق يهدى إلى البرّ وإنّ البرّ يهدى إلى الجنّة وإنّ الرجل ليتحرّى الصدق حتّى يكتب عند اللَّه مصداقا ، وقال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الكذب رأس النفاق . وهو ظاهر فإنّ مدار النفاق على المصانعة بالقول الغير المطابق لما في نفس الأمر وهو حقيقة الكذب . العاشر : النهى عن الحسد وقد اتّفق أرباب القلوب على أنّه من أعظم أبواب الشيطان الَّتي يدخل بها على القلب وهو أحد العوارض الرديئة للنفس ويتولَّد من اجتماع البخل والشريّة في النفس ، وأعنى بالشرير من تلتذّ طباعها بمضارّ تقع بالناس ويكره ما يوافقهم وإن كانوا ممّن لا يرونه ولم يسيئوا إليه ، وقد علمت أنّ من هذه صفته مستحقّ للمقت من اللَّه عزّ وجلّ وذلك أنّه مضادّ لإرادته إذ هو تعالى المتفضّل على المزيد للخير