ابن ميثم البحراني
284
شرح نهج البلاغة
الظلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المعصية [ المصيبة خ ] . ومذاهب الظلمة مسالكها وطرقها العادلة من العدول ، وروى : أنّ إبليس ظهر ليحيى بن ذكريّا عليه السّلام فرأى عليه معاليق كلّ شيء فقال له : يا إبليس ما هذه المعاليق قال : هذه هي الشهوات الَّتي أصيب بهنّ قلوب بني آدم فقال : هل بي فيها شيء قال : نعم ربّما شبعت فشغلناك عن الصلاة وعن الذكر قال : هل غير ذلك قال : لا قال : للَّه علىّ أن لا أملأ بطني من طعام أبدا فقال إبليس : للَّه علىّ أن لا أنصح مسلما أبدا . ولا تداهنوا : أي لا تسالموا الظلمة وتساهلوا معهم في السكوت عما ترونه من منكراتهم فيهجم بكم الإدهان على المعصية : أي إذا آنستم بمشاهدة المعاصي وألفتم تكرارها كنتم بذلك عصاة وربّما ساقكم ذلك إلى فعل المنكر ومشاركتهم فيه . وقوله : عباد اللَّه . إلى آخره إخبارات في معنى الأوامر والنواهي وأوامر ونواهي صريحة مشتملة على جواذب إلى طاعة اللَّه ولزوم دينه . فالأوّل : قوله : إنّ أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربّه ، وبيانه أنّه لمّا كان غرض الناصح إنّما هو جلب الخير والمنفعة إلى المنصوح ، وكان أجّل خير ومنفعة هو السعادة الباقية الأبديّة ومشاهدة الحضرة الربوبيّة ، وكانت تلك السعادة إنّما تنال بطاعة اللَّه تعالى فكلّ من كانت طاعته للَّه أتمّ فكان هو أنصح الناس لنفسه بمبالغته في طاعته . الثاني : قوله : وإنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، وهو ظاهر ممّا قرّرناه فإنّه لمّا كانت غاية الغشّ إنّما هو جلب الشرّ والمضرّة إلى المغشوش ، وكان أعظم شرّ وضرر يلحق العبد هو الشقاوة الأبديّة في قرار الجحيم ، وكانت تلك إنّما يحصل الإنسان عليها بمعصية اللَّه تعالى فكلّ من كانت معصيته أتمّ كانت شقاوته أتمّ فكانت هو أغشّ الناس لنفسه بمبالغته في معصيته . وحاصل القضيّة الأولى الأمر بالطاعة أتمّ ما يمكن والثانية النهى عن المعصية أتمّ ما يمكن . ورغَّب في الطاعات بذكر نصيحة النفس لما أنّ النصيحة محبوبة ونفّر عن المعصية بذكر غشها . الثالث : قوله : والمغبون من غبن نفسه . والمراد من غبنها بالمعصية المستلزمة لدخول النار فكأنّ الإنسان بمتابعة شيطانه خادع لنفسه ، وقد بخسها ما تستحقّه من ثواب اللَّه ،