ابن ميثم البحراني

283

شرح نهج البلاغة

الوقت المتقدّم على عذاب الآخرة المشارف له ، ووجه المشابهة أنّ الإنذار بالمخوف يكون من ذي سطوة وبأس شديد فكأنّه نزّل العذاب الشديد بمنزلة المعذّب فاستعار له يدين وجعل الإنذار والتخويف منه متقدّما له بين يديه وذلك من الجواذب اللطيفة ، ثمّ عاد إلى أمرهم باستدراك بقيّة أوقاتهم في الدنيا وأن يصبّروا لها أنفسهم : أي يلزموا أنفسهم فيها الصبر على الأعمال الصالحة ، وفي لفظ الاستدراك إشعار بتقديم تفريط منهم في جنب اللَّه ولذلك قال : فإنّها قليل في كثير الأيّام الَّتي تكون منكم فيها الغفلة والتشاغل عن الموعظة . وإنّما قال : لها . لأنّ كلّ وقت يستحقّ أن يوقع فيه ما ينبغي من الأفعال فصدق عليها أنّ ذلك الفعل لها . قوله : ولا ترخّصوا لأنفسكم . إلى قوله : المعصية [ المصيبة خ ] . أقول : ليس المقصود بالرخصة هنا الرخصة الشرعيّة بل ما يتساهل الإنسان فيه مع نفسه من تنويع المآكل والمشارب والمناكح والخروج فيها إلى ما لا ينبغي في نفس الأمر ويتأوّل له تأويلا وحيلة يخيّل أنّها جايزة في الشريعة ويروّج بها اتّباعه لهواه ، ونحوه الاجتماع في السماع لغير أهله ، وحضور مجالس الفسّاق ، ومعاشرة الظالمين . والضابط الكلَّى في هذا الباب هو توسّع الإنسان في الأمور المباحة واستيفاؤه حدّه فإنّه من فعل ذلك شارف المكروه ثمّ ربما لحظ أنّه لا عقاب في فعله فقادته شهوته إلى فعله فاستوفى حدّه فشارف المحظور ، وذلك أنّ العقل إذا أطاع النفس الأمّارة بالسوء فيما تأمر به مرّة ومرّة لم يبق له نفار عمّا تقوده إليه لوقوع الأنس به . وظاهر أنّ ارتكاب بعض مأموراتها يجرّ إلى ارتكاب بعض فيؤدّى ذلك إلى تجاوز الحدود الشرعيّة وعبورها إلى الوقوع في حبائل الشيطان والتهوّر في المحظورات الَّتي هي مهاوي الهلاك ، ولذلك ما ورد في الخبر : من رتع حول الحمى أو شك أن يقع فيه وقد شبّه العارفون القلب بالحصن والشيطان بعدّ ويريد أن يدخله ولم يمكن دفع ذلك العدوّ والتحفّظ منه إلَّا بضبط أبواب ذلك الحصن الَّتي منها الدخول إليه وحراستها وهى أبواب كثيرة كساير المحرّمات ومساهلة النفس في التوسّع في المباحات والدخول في الأمور المشتبهة من أعظم تلك الأبواب ودخول الشيطان منه أسهل وهو عليه أقدر ولذلك قال عليه السّلام : فتذهب بكم الرخص فيها مذاهب