ابن ميثم البحراني
282
شرح نهج البلاغة
فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ - ولَا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ - واعْلَمُوا أَنَّ الأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ - ويُنْسِي الذِّكْرَ فَأَكْذِبُوا الأَمَلَ - فَإِنَّهُ غُرُورٌ وصَاحِبُهُ مَغْرُورٌ أقول : الفصل إلى آخره شروع في الموعظة والمشورة ، ولمّا قدّم الإشعار بأنّ اللَّه تعالى عالم بما في الصدور غالب على كلّ مقدور أمرهم بعده بالعمل وأراد الأعمال الصالحة المطلوبة بالتكاليف الشرعيّة وأن يجعلوها مهادا لثبات أقدامهم على الصراط المستقيم المأمور بسلوكه ثمّ تلطَّف بالجذب إلى العمل بتذكيرهم بأنّهم في أيّام مهلة وفراغ ومتنفّس خناق يمكنهم فيه العمل وأنّ الَّذي يعملونه من الصالحات هو زاد لهم في سفرهم إلى اللَّه وإلى دار إقامتهم وأنّ وراء هذه المهلة إدراك أجل بعده شغل بأهوال الآخرة وأخذ بالكظم ، وكنّى به عن عدم التمكَّن من العمل إذ لم تكن الآخرة دار عمل ثمّ أبّه بالناس وحذّرهم ربّهم أن يخالفوا فيما أمرهم بحفظه وهو كتابه ، وعنى بحفظه تدبّر ما فيه والمحافظة على العمل بأوامره ونواهيه وهى حقوقه الَّتي استودعهم إيّاها ثمّ علَّل ذلك بتنبيههم على أنّ اللَّه تعالى لم يخلقهم عبثا خاليا عن وجه الحكمة بل خلقهم ليستكملوا الفضايل النفسانيّة بواسطة الآلات البدنيّة ولم يجعلهم في وجودهم مهملين بل ضبط آثارهم وأعمالهم وكتب آجالهم في كتابه المبين وألواحه المحفوظة إلى يوم الدين ونظم وجودهم برسول كريم عمّره فيهم وكتاب أوضح لهم فيه السبيل الَّتي لسلوكها خلقهم وأكمل لهم ولنبيّه دينهم الَّذي ارتضى لهم وما أهّلهم له من الكمالات المسعدة في الآخرة كما قال تعالى « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ الله » ( 1 ) هو بلَّغهم على لسانه ما أحبّ لهم من الخيرات الباقية وكرّهه لهم عن الشرور المشقية في الآخرة كما اشتملت عليه أوامره ونواهيه وأبان لهم فيه الأعذار وأوضح فيه الحجج وشحنه بالوعيد والنذر بين يدي عذاب شديد ، واستعار لفظ اليدين للعذاب وكنّى ببين يديه عن
--> ( 1 ) 5 - 5