ابن ميثم البحراني

274

شرح نهج البلاغة

لَا غَايَةَ لَهُ - لَا تَقَعُ الأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ - ولَا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ - ولَا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ والتَّبْعِيضُ - ولَا تُحِيطُ بِهِ الأَبْصَارُ والْقُلُوبُ أقول : هذا الفصل يشتمل على إثبات ثماني صفات من صفات الجلال : الأولى الوحدانيّة مؤكَّدة بنفي الشركاء وذلك قوله : لا شريك له . وقد أشرنا إلى معقد البرهان العقليّ على الوحدانيّة ، ولمّا لم تكن هذه المسألة ممّا يتوقّف إثبات النبوّة عليها جاز الاستدلال فيها بالسمع كقوله تعالى « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا » ( 1 ) وقوله « وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » . الثانية : إثبات كونه أوّلا غير مسبوق بالغير . الثالثة : إثبات كونه آخرا غير منته وجوده إلى غاية يقف عندها . وقد سبق البحث عنهما مستقصى ونفى قبليّة شيء له والغاية عنه تأكيدان . الرابعة : من السلوب أنّه لا تلحقه الأوهام فيقع منه على صفة . وقد علمت فيما سبق أنّ الأوهام لا يصدق حكمها إلَّا فيما كان محسوسا أو متعلَّقا بمحسوس فأمّا الأمور المجرّدة من علايق المادّة والوضع فالوهم ينكر وجودها أصلا فضلا أن يصدّق في إثبات صفة لها وإنّما الحاكم بإثبات صفة له العقل الصرف ، وقد علمت أنّ ما يثبته منها ليست حقيقة خارجيّة بل أمورا اعتباريّة محدثها عقولنا عند مقايسته إلى الغير ، ولا يفهم من هذا أنّه أثبت له صفة بل معناه أنّ الأوهام لا يصدق حكمها في وصفه تعالى . الخامسة : كونه تعالى لا يعقل له كيفيّة يكون عليها وبيان ذلك ببيان معنى الكيفيّة فنقول : إنّها عبارة عن هيئة قارّة في المحلّ لا يوجب اعتبار وجودها قسمة ولا نسبة ، ولمّا بيّنا أنّه تعالى ليس له صفة تزيد على ذاته وهى محلّ لها استحال أن يعقد القلوب منه على كيفيّة . السادسة : كونه تعالى لا تناله التجزية والتبعيض وهو إشارة إلى نفى الكميّة عنه إذ كانت التجزية والتبعيض من لواحقها وقد علمت أنّ الكمّ من لواحق الجسم

--> ( 1 ) 21 - 22