ابن ميثم البحراني

259

شرح نهج البلاغة

قبايح المعاصي ، وهوّن موبقات العظائم : أي ما يهلك من عظيم الذنوب . وتهوينه لها بمثل تمنّيه التوبة ومساعدة العقل له بقوله « إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ » وبمثل الاقتداء بالغير الَّذي هو أولى بالعفّة مثلا أو أكثر قدرا في الدنيا ، وساير أوصاف الوساوس كما عرفت حقيقتها . وقوله : حتّى إذا استدرج قرينته واستغلق رهينته فقرينته هي النفس الناطقة باعتبار موافقته وهى رهينته باعتبار إحاطة الذنوب بها من قبله كما يستغلق الرهن بما عليه من المال ولفظ الرهينة مستعار . واستدراجه لها تزيينه حالا بعد حال وتعويدها بطاعته . وقوله : أنكر ما زيّن . إلى آخره . إشارة إلى غايته من وسوسته وعود من النفس الأمّارة بالسوء إلى موافقتها لحكم العقل في قبح ما كانت أمرت به ، واستعظام خطره ومساعدتها على التحذير منه بالامتناع من تحسينه بعد أن كانت تحثّ عليه وتزيّنه وتؤمن منه . وذلك إمّا عند التوبة وقهر العقل لها أو عند معاينة المكروهات الجزئيّة من العقوبات والآلام إمّا في الدنيا أو بعد المفارقة والحصول في عذاب الجحيم بسبب الانهماك فيما كانت زيّنته من الباطل ، وذلك أنّ النفس إذا فارقت البدن حملت معها القوّة المتوهّمة فتدرك ما يلحقها من جزئيّات العقوبات كعذاب القبر وما يتنوّع منه كما سبقت الإشارة إليه ، وقد يتصوّر ذلك من شياطين الإنس في تزيينهم الجرائم ، وأمّا من الشيطان الظاهر فظاهر . ومنها في صفة خلق الإنسان ، وفي هذا الفصل فصلان . الفصل الأوّل قوله : أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ وشُغُفِ الأَسْتَارِ - نُطْفَةً دِهَاقاً وعَلَقَةً مِحَاقاً - وجَنِيناً ورَاضِعاً ووَلِيداً ويَافِعاً - ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً ولِسَاناً لَافِظاً وبَصَراً لَاحِظاً - لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً ويُقَصِّرَ مُزْدَجِراً - حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ واسْتَوَى