ابن ميثم البحراني
236
شرح نهج البلاغة
الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً - ولَا يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً يَحْتَذُونَ مِثَالًا - ويَمْضُونَ أَرْسَالًا إِلَى غَايَةِ الِانْتِهَاءِ وصَيُّورِ الْفَنَاءِ قوله : الرنق : الكدر . والردغ : الوحل والتراب المختلط بالماء . ويونق : يعجب . ويوبق : يهلك . وغرور : خدعة مستغفلة للأذهان . والحائل : المنتقلة المحتولة . وقمصت الدابّة : رفعت يديها وطرحتهما وعجنت برجليها . وقنصت : صادت . وأقصدت : أصابت القصد . والأوهاق : جمع وهق بالفتح وهو الحبل . والضنك : الضيق . وأقلع عن الشيء : امتنع منه . والاخترام : الموت دون المدّة الطبيعيّة . وارعوى : كفّ ورجع وحذاحذ وفلان : فعل فعله . وأرسال : جمع رسل بالفتح وهو القطيع من الغنم يتبع القطيع . وصيّور الأمر : ما يرجع إليه منه . ومدار هذا الفصل على التنفير عن الدنيا بذكر معايبها وما يؤول إليه ، وذكر لها أوصافا : الأوّل : كونها رنق مشربها . وهو كناية عن كدر لذّاتها بشوائب المصائب من الهموم والأحزان والأعراض والأمراض . الثاني : كونها ردغ مشرعها . ومشرعها محلّ الشروع في تناولها والورود في استعمالها ، وكونه ردغا وصف للطريق المحسوس استعير له . ووجه المشابهة كون طريق الإنسان في استعمال الدنيا والتصرّف فيها ذات مزالق ومزالّ أقدام تهوى به إلى جهنّم لا يثبت فيها إلَّا قدم عقل قد هجّر في ضبط قواه وقهر سطوة شياطينه كما أنّ الطريق ذات الوحل كذلك . وهو من لطائف إشاراته عليه السّلام . الثالث : كونها يونق منظرها ، ويوبق مخبرها . وهو إشارة إلى إعجابها لذوي الغفلة بزينتها الحاضرة مع هلاكهم باختبارها وذوقهم لحلاوتها وغرض الالتذاذ بها . الرابع : كونها غرورا حائلا . يروى بفتح الغين وضمّها . ومعنى الأوّل ذات غرور : أي تغرّ الخلق بزخارفها فيتوهّمون بقاءها ثمّ تنتقل عنهم وتحوّل ، ومن روى بالضمّ جعلها نفسها غرورا : والغرور يطلق على ما يغترّ به حقيقة عرفيّة . الخامس : كونها ضوء آفلا استعار لفظ الضوء لما يظهر منها من الحسن في عيون الغافلين يقال على فلان ضوء : أي له منظر حسن ، أو لما ظهر لهم من وجوه مسالكها