ابن ميثم البحراني

221

شرح نهج البلاغة

وقبل ظهورهم . وذلك أنّ الفلك إذا أخذ في التشكَّل بشكل يتمّ به في العالم حدث عظيم عرض من ابتداء ذلك الشكل وغايته أحداث في الأرض شبيهة بما يريد أن يتمّ ولكنّها تكون غير تامّه فإذا استكمل ذلك الشكل في الفلك وتمّ وجد به في العالم ما يقتضيه في أسرع زمان لسرعة تبدّل أشكال الفلك فتظهر تلك القوّة الَّتي يوجبها ذلك الشكل في شخص واحد أو شخصين أو أكثر على حسب ما يقتضيه العناية الإلهيّة ويستوعب ذلك الشخص تلك القوّة على الكمال . فأمّا من قرب من ذلك الشكل ولم يستوفه فإنّه يكون ناقص القوّة بحسب بعده من الشكل . ويظهر ذلك النقصان بظهور النبوّة المقصودة من ذلك الشكل . فتبيّن قصور القوى المتقدّمة على النبيّ والمتأخّرة عنه ونقصانهما عن ذلك التمام . فأمّا صفة الكاهن من أصحاب تلك القوى فإنّ صاحب قوّة الكهانة إذا أحسّ بها من نفسه تحرّك إليها بالإرادة ليكملها فيبرزها في أمور حسيّة ويثيرها في علامات تجرى مجرى الفال والزجر وطرق الحصى ، وربّما استعان بالكلام الَّذي فيه سجع وموازنة أو بحركة عنيفة من عدو حثيث كما حكى عن كاهن من الترك ، وكما نقل إلىّ من شاهد كاهنا كان في زماننا وتوفّى مند عشرين سنة يكنّى بأبى عمرو كان بناحية من ساحل البحر يقال لها قلهات ، وإنّه كان إذا سئل عن أمر استعان بتحريك رأسه تحريكا يقوى ويضعف بحسب الحاجة وأجاب عقيب ذلك ، وقيل إنّه كان قد يستغنى في بعض الإخبارات عن تلك الحركة . والغرض من ذلك اشتغال النفس عن المحسوسات فتداخل نفسه ويقوى فيها ذلك الأثر ويهجس في نفسه عن تلك الحركة ما تقذفه على لسانه ، وربّما صدق الكاهن ، وربّما كذب . وذلك أنّه يتمّم نقصه بأمر مباين لكماله غير داخل فيه فيعرض له الكذب ويكون غير موثوق به ، وربّما تعمد الكذب خوفا من كساد بضاعته فيستعمل الزرق ويخبر بمالا أثر له في نفسه ويضطرّ إلى التخمين . ودرجات هؤلاء متفاوتة بحسب قربهم من الأفق الإنسانيّ وبعدهم منه وبقدر قبولهم للأثر العلويّ . ويتميّزون عن الأنبياء بالكذب وما يدّعونه من المحالات فإن اتّفق أن يلزم أحدهم الصدق فإنّه لا يتجاوز قدره في قوّته ويبادر إلى التصديق بأوّل أمر يلوح من النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ويعرف فضله كما روى عن طلحة وسواد بن قارب ونحوهما من الكهنة في زمان الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم .