ابن ميثم البحراني
222
شرح نهج البلاغة
إذا عرفت ذلك فنقول : أمّا قوله : فإنّها تدعو إلى الكهانة . أيّ أنّها تدعو المنجّم في آخر أمره إلى أن يصّير نفسه كالكاهن في دعوى الإخبار عمّا سيكون ، ثمّ أكَّد كونها داعية إلى التمكين بتشبيهه بالكاهن . وأعلم أنّ الكاهن يتميّز عن المنجّم بكون ما يخبر به من الأمور الكاينة إنّما هو عن قوّة نفسانيّة له ، وظاهر أنّ ذلك أدعى إلى فساد أذهان الخلق وإغوائهم لزيادة اعتقادهم فيه على المنجّم ، وأمّا الساحر فيتميّز عن الكائن بأنّ له قوّة على التأثير في أمر خارج عن بدنه آثارا خارجة عن الشريعة مؤذية للخلق كالتفريق بين الزوجين ونحوه وتلك زيادة شرّ آخر على الكاهن أدعى إلى فساد أذهان الناس وزيادة اعتقادهم فيه وانفعالهم عنه خوفا ورغبة ، وأمّا الكافر فيتميّز عن الساحر بالبعد الأكبر عن اللَّه تعالى وعن دينه وإن شاركه في أصل الانحراف عن سبيل اللَّه . وحينئذ صار الضلال والفساد في الأرض مشتركا بين الأربعة إلَّا أنّه مقول عليهم بالأشدّ والأضعف فالكاهن أقوى في ذلك من المنجّم ، والساحر أقوى من الكاهن ، والكافر أقوى من الساحر . ولذلك التفاوت جعل عليه السّلام الكاهن أصلا في التشبيه للمنجّم لزيادة فساده عليه ثمّ ألحقه به ، وجعل الساحر أصلا للكاهن ، والكافر أصلا للساحر . لأنّ التشبيه يستدعى كون المشبّه به أقوى في الوصف الَّذي فيه التشبيه وأحقّ به . وقد لاح من ذلك أنّ وجه الشبه في الكلّ هو ما يشتركون فيه من العدول والانحراف عن طريق اللَّه بالتنجيم والكهانة والسحر والكفر وما يلزم من ذلك من صدّ كثير من الخلق عن سبيل اللَّه وإن اختلف جهات هذا العدول بالشدّة والضعف كما بيّناه . ولمّا فرغ عليه السّلام من تنفير أصحابه عن تعلَّم النجوم وقبول أحكامها وغسّل أذهانهم من ذلك بالتخويف المذكور أمرهم بالمسير إلى الحرب . وروى : أنّه سار في تلك الساعة إلى الخوارج وكان منه ما علمت من الظفر بهم وقتلهم حتّى لم يفلت منهم غير تسعة نفر ، ولم يهلك من رجاله غير ثمانية نفر كما سبق بيانه ، وذلك يستلزم خطأ ذلك المنجّم وتكذيبه في مقاله . وباللَّه التوفيق .