ابن ميثم البحراني

181

شرح نهج البلاغة

بعين اللَّه ، والباء هنا كهي في قولك : أنت منّى بمرأى ومسمع . الثاني : تذكيرهم بكونهم مع ابن عمّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم تنبيها لهم على فضيلته ، وأنّ طاعة كطاعته رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وحربه كحربه كما هو المنقول عنه : حربك يا علىّ حربي . فيثبتوا على قتال عدوّهم كما ثبتوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم العاشر : الأمر بمعاودة الكرّ . وذلك عند التحرّف للقتال والانحياز إلى الفئة ، وأن يستحيوا من الفرار . ثمّ نبّهم على قبحه بأمرين : أحدهما : أنّه عار في الأعقاب : أي أنّه عار في عاقبة أمركم وسبّة باقية خلفكم ، والعرب تستقبح الفرار كثيرا ، الثاني : كونه نارا يوم الحساب : أي يوجب استحقاق النار ، وهو من كبائر المعاصي ، وجعله نارا مجازا تسمية له باسم غايته وهو تذكير لهم بوعيده تعالى « وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ » . الحادي عشر قوله : وطيّبوا عن أنفسكم نفسا وهو تسهيل للموت عليهم الَّذي هو غاية ما يلقونه من الشدائد في الحرب بالبشارة بما هو أعظم وأجلّ من الحياة الدنيا المطلوبة بترك القتال وهو ما أعدّ لهم من الثواب الباقي ، وهذا كما يقول أحدنا للمنفق ماله مع حبّه له طب نفسا عمّا ذهب منك فإنّ الصدقة مضاعفة لك عند اللَّه وتجدها خيرا وأعظم أجرا . ونفسا منصوب على التمييز ، وأشار بها إلى النفس المدّبرة لهذا البدن ، وبالأولى إلى الشخص الزايل بالقتل . الثاني عشر : الأمر بالمشي إلى الموت سجحا : أي مشيا سهلا لا تكلَّف فيه ولا تخشّع فإنّ المتكلَّف سريع الفرار ، وهو أمر لهم بالمشي إلى غاية ما يخافون من القتال ليوطَّنوا نفوسهم عليه أو لنفروا بسرعة إلى الحرب إذ من العادة أن يستنفر الشجاع بمثل ذلك فيسارع إلى داعيه لما يتصوّره فيه من جميل الذكر وحسن الأحدوثة ، وروى سمحا والمعنى واحد . وقوله : عليكم بهذا السواد الأعظم . إلى قوله : رجلا . أقول لمّا شحذهم بالأوامر المذكورة عيّن مقصدهم ، وأشار بالسواد الأعظم إلى أهل الشام مجتمعين ، وبالرواق المطنّب إلى مضرب معاوية ، وكان معاوية إذن في مضرب