ابن ميثم البحراني

182

شرح نهج البلاغة

عليه قبّة عالية بأطناب عظيمة وحوله من أهل الشام مائة ألف كانوا تعاهدوا أن لا ينفرجوا عنه حتّى يقتلوا . وعيّن لهم وسط الرواق وأغراهم به بقوله : إنّ الشيطان كامن في كسره . وأراد بالشيطان معاوية ، وقيل عمرو بن العاص ، وذلك أنّ الشيطان لمّا كان عبارة عن شخص يضلّ الناس عن سبيل اللَّه ، وكان معاوية في أصحابه كذلك عنده عليه السّلام لا جرم أطلق عليه لفظ الشيطان ، وقد سبقت الإشارة إلى معنى الشيطان . ويحتمل أن يريد الشيطان ، ولمّا كانت محالّ الفساد هي مظنّة إبليس ، وكان المضرب قد ضرب على غير طاعة اللَّه كان محلَّا للشيطان فلذلك استعار له لفظ الجلوس في كسره وقوله : وقد قدّم للوثبة يدا وأخّر للنكوص رجلا . كناية عن تردّد معاوية وانتطاره لأمرهم إن جبنوا وثب ، وإن شجعوا نكص وهرب ، أو عن الشيطان على سبيل استعارة الوثبة والنكوص واليد والرجل ، ويكون تقديم يده للوثبة كناية عن تزيينه لأصحاب معاوية الحرب والمعصية وتأخيره الرجل للنكوص كناية عن تهيّته للفرار إذا التقى الجمعان كما حكى اللَّه سبحانه عنه « وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ » ( 1 ) الآية . فإن قلت : فما معنى نكوص الشيطان على رأى من فسرّه بالقوّة الواهمة ونحوها . قلت : لمّا كانت وسوسته تعود إلقائه إلى النفس صورة ما يحكم بحسنه لها فقط دون أمر آخر كما حكى اللَّه تعالى عنه « وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ » ( 2 ) الآية كان نكوصه يعود إلى إعراض الوهم عند عضّ الحرب ومشاهدة المكروه عن ذلك الحكم ورجوعه عنه ، وهو معنى قوله : إنّي برئ منكم إنّي أرى ما لا ترون ، وذلك أنّ الوهم إذن يحكم بالهرب والاندفاع من المخوف بعد أن كان قد زيّن الدخول فيه فيكون إذن قوله إنّي أخاف اللَّه واللَّه شديد العقاب موافقة لحكم العقل فيما كان يراه من طاعة اللَّه بترك المعصية بالحرب . وكلّ ذلك من تمام إغراء أصحابه بأهل الشام وتنبيههم على أنّ باعثهم في الحرب ليس إلَّا الشيطان وأنّه لا غرض له إلَّا فتنتهم ثمّ الرجوع والإعراض عنهم . الثالث عشر : أمرهم بقصد عدوّهم مؤكَّدا له بتكريره أي أصمد ولهم صمدا إلى غاية

--> ( 1 ) 8 - 50 ( 2 ) 14 - 26