ابن ميثم البحراني

173

شرح نهج البلاغة

الثامن : وكل بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان ولطيف الأجسام . أقول : خفىّ الألوان مثلا كاللون في الظلم ، واللطيف قد يكون بمعنى عديم اللون كما في الهواء ، وقد يكون بمعنى رقيق القوام كالجوهر الفرد عند المتكلَّمين ، وكالذّرة ، واللطيف بالمعنيين غير مدرك للحيوان ، وأطلق لفظ . العمى مجازا إذ كان عبارة إمّا عن عدم البصر مطلقا أو عن عدمه عمّا من شأنه أن يبصر ولا واحد من هذين الاعتبارين بموجود للبصير غير اللَّه فلم يكن عدم إدراكها عمى حقيقيّا بل لكون العمى من أسباب عدم الرؤية أطلق لفظه عليه إطلاقا لاسم السبب على المسبّب ، وهذا الحكم في معرض مدحه إن يستلزم تنزيه بصره عن لاحق العمى ومظنّته إذ كان سبحانه منزّها عن معروض العمى والبصر ومتعاليا عن أن يكون إدراكه بحدقة وأجفان وانطباع الصور والألوان وإن كان يشاهد ويرى حتّى لا يعزب عنه ما تحت الثرى . وإذ ليس بصيرا بالمعنى المذكور فهو البصير باعتبار أنّه مدرك لكمال صفات المبصرات ، وذلك الاعتبار أوضح وأجلى ممّا يفهم من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيّات . التاسع : وكلّ ظاهر غيره باطن . أقول : ظهور الأشياء هو انكشافها للحسّ أو للعقل انكشافا بيّنا ، ويقابله بطونها وهو خفاؤها عن أحدهما ، ولمّا ثبت أنّه تعالى منزّه عن الجسميّة ولو أحقها علم كونه منزّها عن إدراك الحواسّ ، ولمّا قام البرهان على أنّه تعالى برئ عن أنحاء التراكيب الخارجيّة والعقليّة وجب تنزّه ذاته المقدّسة عن اطَّلاع العقول عليها فعلم من هذا الترتيب أنّه لا يشارك الأشياء في معنى ظهورها وقد وصف نفسه بالظهور فيجب أن يكون ظهوره عبارة عن انكشاف وجوده في جزئيّات آثاره كما قال تعالي « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » ( 1 ) وإن كانت مشاهدة الحقّ له على مراتب متفاوتة ودرجات متصاعدة كما أشار إليه بعض مجرّدي السالكين : ما رأينا اللَّه بعده . فلمّا ترقّوا عن تلك المرتبة درجة من المشاهدة والحضور قالوا : ما رأينا شيئا إلَّا ورأينا اللَّه فيه . فلمّا ترقّوا قالوا : ما رأينا شيئا إلَّا ورأينا اللَّه قبله . فلمّا ترقوا قالوا : ما رأينا شيئا سوى اللَّه .

--> ( 1 ) 31 - 53