ابن ميثم البحراني

174

شرح نهج البلاغة

والأولى مرتبة الفكر والاستدلال عليه ، والثانية مرتبة الحدس ، والثالثة مرتبة المستدلَّين به لا عليه ، والرابعة مرتبة الفناء في ساحل عزّته واعتبار الوحدة المطلقة محذوفا عنها كلّ لاحق . وإذا عرفت معنى ظهوره علمت أنّ شيئا من الممكنات لا يكون له الظهور المذكور فإنّه وإن كان لبعض الأشياء في عقل أو حسّ إلَّا أنّه ليس في كلّ عقل وفي كل حسّ إذ كلّ مطَّلع على شيء فالَّذي خفى عته أكثر ممّا اطَّلع عليه فكلّ ظاهر غيره فهو باطن بالقياس إليه وهو تعالى الظاهر لكلّ شيء وفي كلّ شيء لكونه مبدء كلّ شيء ومرجع كلّ شيء . العاشر : وكلّ باطن غيره فهو ظاهر [ فهو غير ظاهر خ ] . وقد علمت معنى البطون للممكنات وظهورها ، وعلمت أيضا ممّا سبق أنّ كونه باطنا يقال بمعنيين : أحدهما : أنّه الَّذي خفى قدس ذاته عن اطَّلاع العقول عليه . والثاني : أنّه الَّذي بطن جميع الأشياء خبره ونفذ فيها علمه . ثمّ علمت الظهور المقابل للمعنى الأوّل ، وأمّا المقابل للثاني فهو الَّذي لم يطَّلع إلَّا على ظواهر الأشياء لم يكن له اطَّلاع على بواطنها يقال فلان ظاهر وظاهري . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ كلّ باطن غيره سوا كان المراد بالبطون خفاء المتصوّر أو نفوذ العلم في البواطن . فهو ظاهر بالقياس إليه تعالى ظهورا بالمعنى الَّذي يقابله . أمّا الأوّل فلأنّ كلّ ممكن وإن خفى على بعض العالمين لم يخف على غيره وإن خفى على الكلّ فهو ظاهر في علمه تعالى وممكن الظهور في علم غيره فليس إذن بخفي مطلقا وهو تعالى الباطن الَّذي لا أبطن منه وكلّ باطن غيره فهو ظاهر بالقياس إليه . وأمّا الثاني فلأنّ كلّ عالم وإن جلّ قدره فلا إحاطة له ببعض المعلومات وهو قاصر عن بعضها ، وبعضها غير ممكن له وهو تعالى الَّذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر وكلّ ظاهر بالقياس إليه ، وفي بعض النسخ وكلّ ظاهر غيره غير باطن وكلّ باطن غيره غير ظاهر ، ومعنى القضيّتين أنّ كلّ ممكن إن كان ظاهرا منكشفا لعقل أو حسّ لم يوصف مع ذلك بأنّه باطن كالشمس مثلا وإن كان باطنا خفيّا عن العقل والحسّ لم يوصف مع ذلك بأنّه ظاهر ، وهو تعالى الموصوف بأنّه الباطن الظاهر معا . وفي هذه النسخة نظر . فإنّا إنّما أثبتنا كونه تعالى ظاهرا وباطنا معا باعتبارين