ابن ميثم البحراني
172
شرح نهج البلاغة
عصبته ثابتة منه إلى الصماخ مبسوطة عليه كجلد الطبل ، وهذه العصبة آلة هذه القوّة . والصوت هيئة تحصل في الهواء عن تموجّه بحركة شديدة إمّا من قرع يحصل من اصطكاك جسمين صلبين فيضغط الهواء بينهما وينفلت بشدّة ، وإمّا من قلع شديد فيلج الهواء بين الجسمين المنفصلين الصلبين ويحصل عن السببين تموّج الهواء على هيئة مستديرة كما يفعل وقوع الحجر في الماء فإذا انتهى ذلك التموّج إلى الهواه الَّذي في الأذن تحرّك ذلك الهواء الراكد حركة مخصوصة بهيئة مخصوصة فتنفعل العصبة المفروشة على الصماخ عن تلك الحركة وتدركها القوّة السامعة هناك فهذا الإدراك يسمّى سماعا . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ إدراك هذه القوّة للصوت يكون على قرب وبعد وحدّ من القوّة والضعف مخصوص فإنّه إن كان الصوت ضعيفا أو بعيدا جدّا لم يحصل بسببه تموّج الهواء فلم يصل إلى الصماخ فلم يحصل السماع وذلك معنى قوله : يصمّ عن لطيف الأصوات ، ويذهب عليه ما بعد منها . فإن قلت : لم خصّص اللطيف بالصمّ عنه والبعيد بالذهاب عليه . قلت : يشبه أن يكون لأنّ البعيد في مظنّة أن يسمع وإنّما يفوته بسبب عدم وصول الهواء الحامل له إليه ، وأمّا الخفيّ فلمّا فلم يكن من شأنه أن تدركه القوّة السامعة أشبه عجزها عن إدراكه الصمّ فاستعير لفظه له ، وأمّا إن كان الصوت في غاية القوّة والقرب فربّما أحدث الصمّ وذلك لشدّة قرعه للصماخ وتفرّق اتّصال الروح الحامل لقوّة السمع عنه بحيث يبطل استعدادها لتأدية القوّة إلى الصماخ وكلّ ذلك من نقصان الحيوان وضعفه ، ولمّا كان الباري تعالى منزّها عن الجسميّة وتوابعها لا جرم كانت هذه اللواحق من الصمم عن لطيف الأصوات ، وذهاب بعيدها ، والصمّ من كبيرها مخصوصة بمن له تلك القوّة المذكورة والسمع المخصوص فكلّ سامع غيره فهو كذلك . واستلزم ذلك في معرض مدحه بتنزيهه سبحانه عنها . وإذ ليس سميعا بالمعنى المذكور وقد نطق القرآن بإثبات هذه الصفة له فهو سميع بمعنى أنّه لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفى فيسمع السرّ والنجوى بل ما يسمع هو أدّق وأخفى حمد الحامدين ودعاء الداعين ، وذلك هو السميع الَّذي لا يتطرّق إليه الحدثان إذ لم يكن بآلة وآذان .