ابن ميثم البحراني
152
شرح نهج البلاغة
أقول : المروىّ في السبب أنّه لمّا كتب عهد التراضي بين الحكمين بين علىّ ومعاوية اعتزلت الخوارج وتنادوا من كلّ ناحية لا حكم إلَّا للَّه ، الحكم للَّه يا علي لا لك ، إنّ اللَّه قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يدخلوا تحت حكمنا وقد كنّا زللنا وأخطأنا حين رضينا بالتحكيم وقد بان زللنا وخطأنا ورجعنا إلى اللَّه وتبنا فارجع أنت كما رجعنا وتب إليه كما تبنا . وقال بعضهم : إنّك أخطأت فاشهد على نفسك بالكفر ثمّ تب منه حتّى نطيعك . فأجابهم بهذا الكلام . والحاصب : ريح شديدة ترمى بالحصباء وهى صغار الحصى . والأثرة بالتحريك : الاستبداد . فدعا عليهم أوّلا بريح تحصبهم ، ثمّ بالفناء غضبا من مقالتهم ، ثمّ أخذ في تقريعهم وإنكار مقالتهم وطلبهم شهادته على نفسه بالكفر في صورة سؤال أعقبه تنبيههم على خطأهم في حقّه ببيان غلطه على نفسه لو أجابهم إلى ما سئلوا فإنّ شهادة الإنسان على نفسه بالكفر ضلال عن الحقّ وعدم اهتداء في سبيل اللَّه . ثمّ أردف ذلك بأمرين : أحدهما : جذبهم بالغضب والقهر وأمرهم بالرجوع إلى الحقّ على أعقابهم : أي من حيث خرجوا من الحقّ وفارقوه . الثاني : أخبارهم بما سيلقون بعده من الذلّ الشامل والسيف القاطع . وهو كناية عمّن تقتلهم بعده كالمهلَّبّ بن أبي صفرة وغيره ، وهذا الإخبار لغرض استفاءتهم إليه وجذب لهم برذيلة غيره . والأثرة الَّتي تتّخذها الظالمون فيهم سنّة . إشارة إلى ما يستأثر به الملوك والعمّال عليهم من الفيء والغنايم وإهانتهم ، وقد كانت دعوته عليه السّلام استجيبت فيهم فإنّهم لم يزالوا بعده في ذلّ شامل وقتل ذريع حتّى أفناهم اللَّه تعالى . وأحوالهم في كيفيّة قتالهم وقتلهم من قتلهم مستوفى في كتاب الخوارج . وباللَّه التوفيق . 58 - وقال عليه السّلام لما عزم على حرب الخوارج وقيل له : إنهم قد عبروا جسر النهروان