ابن ميثم البحراني
139
شرح نهج البلاغة
وجد فيها في كلّ حين ، وأنّ إذنها بالانقضاء هو إعلامها بلسان حالها لأذهان المعتبرين أنّها لا تبقى لأحد ، فأمّا تنكَّر معروفها : فمعناه تغيّره وتبدّله ، ومثاله أنّ الإنسان إذا أصاب لذّة من لذّات الدنيا كصحّة أو أمن أو جاه ونحوه أنس إليه وتوهّم بقاءه له وكان ذلك معروفها الَّذي أسدته إليه وعرفه وألفه منها ، ثمّ إنّه عن قليل يزول ويتبدّل بضدّه فيصير بعد أن كان معروفا مجهولا . وتكون الدنيا كصديق تنكَّر في صداقته ومزّجها بعداوته . وقوله : وأدبرت حذّاء . أي ولَّت حال ما لا تعلَّق لأحد بشئ منها مسرعة ، واستعار لفظ الإدبار لانتقال خيراتها عمّن انتقلت عنه بموته أو غير ذلك من وجوه زوالها ملاحظة لشبهها بملك أعرض عن بعض رعيّته برفده وماله وبرّه . قوله : فهي تحفز بالفناء سكَّانها وتحدو بالموت جيرانها . استعار لها وصفى السائق والحادي استعارة بالكناية . ووجه المشابهة كونهم قاطعين لمدّة العمر بالفناء والموت فهي مصاحبته لهم بذلك كما يصحب السائق والحادي للإبل بالسوق والحداء ، وإن أريد بالحفز الطعن فيكون قد تجوّز بنسبته إلى البلاء ملاحظة لشبه مصائب الدنيا بالرماح ، وكذلك استعار لفظ الفناء والموت لآلة السوق والحداء ونزّلهما منزلة الحقيقة . ووجه المشابهة كون الموت هو السبب في انتقال الإنسان إلى دار الآخرة كما أنّ الصوت والسوط مثلا للذين هما آلتا الحداء والسوق هما اللذان بهما يحصل انتقال الإبل من موضع إلى موضع . وقوله : وقد أمرّ منها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا . كقوله : وتنكَّر معروفها : أي إنّ الأمور الَّتي تقع لذيذة فيها ويجدها الإنسان في بعض أوقاته صافية حلوة خالية عن كدورات الأمراض ومرارة التنغيص بالعوارض الكريهة هي في معرض التغيّر والتبدّل بالمرارة والكدر فما من شخص يخاطبه بما ذكر إلَّا ويصدق عليه أنّه قد عرضت له من تلك اللذّات ما استعقب صفوها كدرا وحلاوتها مرارة إمّا من شباب يتبدّل بكبر ، أو غنى بفقر ، أو عزّ بذلّ ، أو صحّة بسقم .