ابن ميثم البحراني
140
شرح نهج البلاغة
وقوله : فلم يبق منها إلا سملة . إلى قوله : لم ينقع . تقليل وتحقير لما بقي منها لكلّ شخص شخص من الناس فإنّ بقائها له على حسب بقائه فيها ، وبقاء كلّ شخص فيها يسير ووقته قصير . واستعار لفظ السملة لبقيّتها ، وشبّها ببقيّة الماء في الإداوة ، وبجرعة المقلة ، ووجه الشبه ما أشار بقوله : لو تمزّزها الصديان لم ينقع : أي كما أنّ العطشان الواجد لبقيّة الإداوة والجرعة لو تمصّصها لم ينقع عطشه كذلك طالب الدنيا المتعطَّش إليها الواجد لبقيّة عمره ولليسير من الاستمتاع فيه بلذّات الدنيا لا يشفى ذلك غليله ولا يسكن عطشه منها ، فالأولى إذن تعويد النفس بالفطام عن شهواتها . وقوله : فأزمعوا عباد اللَّه الرحيل عن هذه الدار . أمر لهم بعد تحقيرها والتنفير عنها بالإزماع ، وتصميم العزم على الرحيل عنها بالالتفات إلى اللَّه والإقبال على قطع عقبات الطريق إليه وهو الرحيل عن الدنيا . وقوله : المقدور على أهلها الزوال . تذكير بما لا بدّ من مفارقتها لتحّف الرغبة فيها ثمّ أعقب ذلك بالنهى عن متابعة الأمل في لذّاتها فإنّه ينسى الآخرة كما سبقت الإشارة إليه ، وذكر لفظ المغالبة تذكير بالأنفة واستثارة للحميّة من نفوسهم ثمّ بالنهى عن توهّم طول مدّة الحياة واستبعاد الغاية الَّتي هي الموت فإنّ ذلك يقسي القلب فيورث الغفلة عن ذكر اللَّه كما قال تعالى « فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » ( 1 ) . وأمّا الثاني : فهو التنبيه على عظيم ثواب اللَّه وعقابه . فاعلم أنّه لمّا حقّر الدنيا ، وحذّر منها ، وأمر بالارتحال عنها . أشار بعد ذلك إلى ما ينبغي أن يعظَّم ويلتفت إليه ويرجى ويخشى ، وهو ثواب اللَّه وعقابه ، فأشار إلى تعظيمها بتحقير الأسباب والوسائل الَّتي يعتمد عليها العباد وهى غايات جهدهم بالنسبة إلى ما ينبغي أن يرجى من ثوابه ويخشى من عقابه وتلك الأسباب من شدّة الحنين والوله إلى اللَّه والدعاء المستمرّ والتضرّع المشبه بتبتّل الرهبان . هذا في طرف العبادة .
--> ( 1 ) 57 - 15