ابن ميثم البحراني

130

شرح نهج البلاغة

أن يدرك بها ما صحّ إدراكه . فأمّا أن ينفى بها ما لا يدرك من جهتها فلا . وثالثها : قوله : ولا قلب من أثبته يبصره : أي من أثبته مع كونه مثبتا له بقلب لا يبصره ، وإنّما أكَّد عليه السّلام بهذين السلبين الأخيرين لأنّهما يشتملان عند الوهم في مبدء سماعها على منافاة وكذب إلى أن يقهره العقل على التصديق بهما فكأنّ الوهم يقول في جواب قوله : فلا عين من لم يره تنكره : كيف لا تنكر العين شيئا لا تراه ، وفي جواب السلب الثاني : كيف يثبت بالقلب ما لم يبصر . فلمّا كان في صدق هذين السلبين إزعاج لأوهام السامعين مفرغ لهم إلى ملاحظة جلال اللَّه وتنزيهه وعظمته عمّا لا يجوز عليه كان ذكرهما من أحسن الذكر ، ويحتمل أن يريد بقوله : ولا قلب من أثبته يبصره : أي إنّه وإن أثبته من جهة وجوده فيستحيل أن يحيط به علما . ورابعها : كونه تعالى قد سبق في العلوّ فلا شيء أعلى منه ، وتقريره أنّ العلوّ يقال بالاشتراك على معان ثلاثة : الأوّل : العلوّ الحسّى المكانيّ كارتفاع بعض الأجسام على بعض . الثاني : العلوّ التخيّلي كما يقال للملك الإنسانيّ : إنّه أعلى الناس : أي أعلاهم في الرتبة المتخيّلة كمالا . الثالث : العلوّ العقليّ كما يقال في بعض الكمالات العقليّة الَّتي بعضها أعلى من بعض ، وكما يقال : السبب أعلى من المسبّب . إذا عرفت ذلك فنقول : يستحيل أن يكون علوّه تعالى بالمعنى الأوّل لاستحالة كونه في المكان ، ويستحيل أن يكون بالمعنى الثاني لتنزّهه سبحانه عن الكمالات الخياليّة الَّتي يصدق بها العلوّ الخياليّ إذ هي كمالات إضافيّة تتغيّر وتتبدّل بحسب الأشخاص والأوقات ، وقد يكون كمالات عند بعض الناس ونقصانات عند آخرين كدول الدنيا بالنسبة إلى العالم الزاهد ، ويتطرّق إليه الزيادة والنقصان ولا شيء من كمال الأوّل الواجب سبحانه كذلك لتنزّهه عن النقصان والتغيّر بوجه ما . فبقى أن يكون علوّه علوّا عقليّا مطلقا بمعنى أنّه لا رتبة فوق رتبته بل جميع المراتب العقليّة منحطَّة عنه . وبيان ذلك أنّ أعلى مراتب الكمال العقليّ هو مرتبة العلَّيّة ، ولمّا كانت