ابن ميثم البحراني
131
شرح نهج البلاغة
ذاته المقدّسة هي مبدء كلّ موجود حسّى وعقليّ وعلَّته التامّة المطلقة لا يتصوّر النقصان فيها بوجه ما لا جرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقليّة مطلقا ، وله الفوق المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شيء وعن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه . وذلك معنى قوله : سبق في العلوّ فلا شيء أعلى منه ، فسبقه في علوّه تفرّده في العلوّ المطلق وفواته لغيره أن يلحقه فيه . وخامسها : قربه في الدنوّ فلا شيء أدنى منه وقد أورد عليه السّلام القرب هاهنا مقابلا للبعد اللازم عن السبق في العلوّ فإنّه مستلزم للبعد عن الغير فيه ، وأورد الدنوّ مقابلا للعلوّ ، وكما علمت أنّ العلوّ يقال على المعاني الثلاثة المذكورة بحسب الاشتراك فكذلك الدنوّ يقال على معان ثلاثة مقابلة لها . فيقال مكان فلان أدنى من مكان فلان إذا كان أسفل منه . وإن كان يقال بمعنى القرب أيضا ، ويقال رتبة الملك الفلانيّ أدنى من رتبة السلطان الفلانيّ إذا كان في مرتبته أقلّ منه ، ويقال رتبة المعلول أدنى من رتبة علَّته . ويقال على معنى رابع فيقال فلان أدنى إلى فلان وأقرب إليه إذا كان خصّيصا به مطَّلعا على أحواله أكثر من غيره ، والباري تعالى منزّه عن أن يراد بدنوّه أحد المفهومات الثلاثة الأول بل المراد هو المفهوم الرابع فقربه في دنوّه إذن بحسب علمه الَّذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، وبهذا الاعتبار هو أقرب كلّ قريب وأدنى كلّ داني كما قال تعالى « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » وهو أدنى إلى العبد من نفسه إذ نفس كلّ إنسان لا تعرف نفسها ، وهو سبحانه العالم بها الموجد لها فهو إذن القريب في دنوّه الَّذي لا شيء أقرب منه ، وإنّما أورده بلفظ الدنوّ لتحصل المقابلة فتنزعج النفوس السليمة عند إنكار الوهم لاجتماع القرب والبعد والعلوّ والدنوّ في شيء واحد إلى توهّم [ تفهّم خ ] ، المقاصد بها وتطَّلع على عظمة الحقّ سبحانه منها . وقوله : فلا استعلاؤه باعده من شيء من خلقه ، ولا قربه ساواهم في المكان به . تأكيد لردّ الأحكام الوهميّة بالأحكام العقليّة فإنّ الوهم يحكم بأنّ ما استعلى على الأشياء كان بعده عنها بقدر علوّه عليها . وما قرب منها فقد ساواها في أمكنتها ،