ابن ميثم البحراني

129

شرح نهج البلاغة

يساعد عليها الوهم إدراكات الحواسّ ، وأظهرها إدراك البصر وأظهر مدرك للبصر نور الشمس المشرق على الأجسام ، وقد أشكل ذلك على جماعة حتّى قالوا : الأشياء الملوّنة ليس فيها إلَّا ألوانها فقط من سواد ونحوه فأمّا أنّ فيها مع ذلك ضوء يقارن اللون فلا . فإذن أريد تنبيه هؤلاء على سهوهم . فطريقة التنبيه بالتفرقة الَّتي يجدونها بين غيبة الشمس بالليل واحتجابها عن الملوّنات ، وبين حضورها بالنهار وإشراقها عليها مع بقاء الألوان في الحالين . فإنّ التفرقة بين المستضيء بها وبين المظلم المحجوب عنها جليّة ظاهرة فيعرف وجود النور إذن بعدمه . ولو فرضت الشمس دائمة الإشراق على الجسم الملوّن لا تغيب عنه لتعذّر على هؤلاء معرفة كون النور شيئا موجودا زايدا على الألوان مع أنّه أظهر الأشياء وبه ظهورها ، ولو تصوّر للَّه تعالى وتقدّس عدم أو غيبة لانهدمت السماوات والأرض ، وكلّ ما انقطع نوره عنه لأدركت التفرقة بين الحالين وعلم وجوده قطعا ، ولكن لمّا كانت الأشياء كلَّها في الشهادة به متّفقة ، والأحوال كلَّها على نسق واحد مطَّردة متّسقة كان ذلك سببا لخفائه . فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره وخفى عليهم بشدّة ظهوره . ثالثها : إشارة إلى سلوب توجب ملاحظة تركيبها تعظيمه تعالى . أحدها : كونه ممتنعا على عين البصير : أي لا يصحّ أن يدرك بحاسّة البصر . وصدق هذا السلب ظاهر بدليل . هكذا الباري تعالى هو غير جسم وغير ذي وضع ، وكلّ ما كان كذلك فيمتنع رؤيته بحاسّة البصر فينتج أنّه تعالى ممتنع الرؤية بحاسّة البصر . والمقدّمة الأولى استدلاليّة ، والثانية ضروريّة ، وربّما استدلّ عليها . والمسألة مستقصاة في الكلام . وإلى ذلك أشار القرآن الكريم « لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ » ( 1 ) وثانيها : قوله : فلا عين من لم يره تنكره : أي إنّه سبحانه مع كون البصر لا يدركه بحاسّة بصره لا ينكره من جهة أنّه لا يبصره . إذ كانت فطرته شاهدة بظهور وجوده في جميع آثاره ومع ذلك ليس له سبيل إلى إنكاره من جهة عدم إبصاره إذ كان حظَّ العين

--> ( 1 ) 4 - 103