ابن ميثم البحراني
128
شرح نهج البلاغة
الأعلام الإشارة بقوله تعالى « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » ( 1 ) . وأعلم أنّ هذا الطريق من الاستدلال هي طريق الملَّيّين وسائر فرق المتكلَّمين فإنّهم يستدلَّون أوّلا على حدوث الأجسام والأعراض ، ثمّ يستدلَّون بحدوثها وتغيّراتها على وجود الخالق ، ثمّ بالنظر في أحوال المخلوقات على صفاته واحدة واحدة . مثلا بإحكامها وإتقانها على كون فاعلها عالما حكيما . وبتخصيص بعضها بأمر ليس للآخر على كونه مريدا . ونحو ذلك ، وكذلك الحكماء الطبيّعيّون يستدلَّون أيضا بوجود الحركة على محرّك ، وبامتناع اتّصال المتحرّكات لا إلى أوّل على وجود محرّك أوّل غير متحرّك ، ثمّ يستدلَّون من ذلك على وجود مبدء أوّل ، وأمّا الإلهيّون فلهم في الاستدلال طريق آخر وهو أنّهم ينظرون أوّلا في مطلق الوجود أهو واجب أو ممكن ، ويستدلَّون من ذلك على إثبات واجب ، ثمّ بالنظر في لوازم الوجوب من الوحدة الحقيقيّة على نفى الكثرة بوجه ما المستلزمة لعدم الجسميّة والعرضيّة والجهة وغيرها ، ثمّ يستدلَّون بصفاته على على كيفيّة صدور أفعاله عنه واحدا بعد آخر ، وظاهر أنّ هذا الطريق أجلّ وأشرف من الطريق الأولى ، وذلك لأنّ الاستدلال بالعلَّة على المعلول أولى البراهين بإعطاء اليقين لكون العلم بالعلَّة المعيّنة مستلزما للعلم بالمعلول المعيّن من غير عكس . ولمّا كان صدر الآية المذكورة إشارة إلى الطريقة الأولى فتمامها إشارة إلى هذه الطريقة وهو قوله تعالى « أَو لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » قال بعض العلماء : وإنّه طريق الصدّيقين الَّذين يستشهدون به لا عليه : أي يستدلَّون بوجوده على وجود كلّ شيء إذ هو منه ، ولا يستدلَّون عليه بوجود شيء ، بل هو أظهر وجودا من كلّ شيء فإن خفى مع ظهوره فلشدّة ظهوره ، وظهوره سبب بطونه ، ونوره هو حجاب نوره إذ كلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته ومكوّناته فلها عدّة ألسنة تشهد بوجوده وبالحاجة إلى تدبيره وقدرته . لا يخالف شيء من الموجودات شيئا في تلك الشهادات ولا يتخصّص أحدها بعدم الحاجات ، وقد ضرب العلماء الشمس مثلا لنوره في شدّة ظهوره فقالوا : إنّ أظهر الإدراكات الَّتي
--> ( 1 ) 41 - 53