ابن ميثم البحراني

122

شرح نهج البلاغة

من الموانع الصارفة عن تمام المقصود ، وفي سلامة الأحوال المهمّة الَّتي تتعلَّق النفس بها عن المشتغلات البدنيّة المعوّقة عن عبادة اللَّه . وأعظمها أحوال النفس ، ثمّ ما يصحبها من أهل ومال وولد . ثمّ عقّب ذلك بالإقرار بشمول عنايته وجميل رعايته وصحبته تقريرا لقوله تعالى « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » إذ شأن الصاحب العناية بأمور صاحبه ، وشأن الخليفة على الشيء العناية بذلك وحفظه ممّا يوجب له ضررا ، واستلزم جمعه له بين هذين الحكمين وهما الخلافة والاستصحاب بقوله : ولا يجمعهما غيرك . كونه تعالى بريئا عن الجهة والجسميّة إذ كان اجتماعهما ممتنعا للأجسام . إذ لا يكون جسم مستصحبا مستخلفا في حال واحد ، وأكَّد ذلك وبيّنه بقوله : لأنّ المستخلف لا يكون مستصحبا ، والمستصحب لا يكون مستخلفا فإن قلت : هذا الحصر إنّما يتمّ لو قلنا : إنّ كلّ ما ليس بذي جهة هو واجب الوجود . وهذا مذهب خاصّ . فما وجه صحّته مطلقا . قلت : الحصر صادق على كلّ تقدير فإنّه على تقدير ثبوت أمور مجرّدة عن الجسميّة والجهة سوى الحقّ سبحانه فالمستحقّ للجمع بين هذين الأمرين بالذات والأولى هو اللَّه تعالى ، وما سواه فبالعرض . فيحمل الحصر على ذلك الاستحقاق . ولنبحث عن فايدة الدعاء وسبب إجابته فإنّه ربما تعرض لبعض الأذهان شبهة فيقول : إمّا أن يكون المطلوب بالدعاء معاوم الوقوع للَّه أو معلوم اللاوقوع . وعلى التقديرين لا فايدة في الدعاء لأنّ ما علم اللَّه وقوعه وجب وما علم عدمه امتنع . فنقول في الجواب عن هذا الوهم : إنّ كلّ كاين فاسد موقوف في كونه وفساده على شرائط توجد وأسباب تعدّ لأحدهما لا يمكن بدونها كما علمت ذلك في مظانّه . وإذا جاز ذلك فلعلّ الدعاء من شرائط ما يطلب به . وهما وإن كانا معلومي الوقوع للَّه وهو سببهما وعلَّتهما الأولى إلَّا أنّه هو الَّذي ربط أحدهما بالآخر فجعل سبب وجود ذلك الشيء الدعاء كما جعل سبب صحّة المريض شرب الدواء وما لم يشرب الدواء لم يصحّ . وأمّا سبب إجابته فقال العلماء : هو توافي الأسباب . وهو أن يتوافى سبب دعاء رجل مثلا فيما يدعو فيه وساير أسباب وجود ذلك الشيء معا عن الباري تعالى ، لحكمة إلهيّة على ما قدّر وقضى . ثمّ الدعاء واجب ، وتوقّع الإجابة واجب . فإنّ انبعاثنا للدعاء سببه من هناك ويصير