ابن ميثم البحراني
107
شرح نهج البلاغة
مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ ولَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا - فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - وإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ ولَا حِسَابَ وغَداً حِسَابٌ ولَا عَمَلَ أقول : حذّاء : خفيفة مسرعة لا يتغلَّق أحد منهما بشئ . والصبابة : بقيّة الماء في الإناء . والمقصود بهذا الفصل النهى عن الهوى وطول الأمل في الدنيا فإنّهما من أشدّ أسباب الهلاك فكان الجلاء عنهما من أشدّ أسباب النجاة كما قال تعالى « فَأَمَّا مَنْ طَغى وآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى وأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » ( 1 ) ثمّ التذكير بأمور الآخرة . فاعلم أنّ الهوى هو ميل النفس الأمّارة بالسوء إلى مقتضى طباعها من اللذّات الدنيويّة إلى حدّ الخروج عن حدود الشريعة ، وأمّا الأمل فقد سبق بيانه ، ولمّا كانت السعادة التامّة إنّما هي في مشاهدة حضرة الربوبيّة ومجاورة الملأ الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وكان اتّباع النفس الأمّارة بالسوء في ميولها الطبيعيّة والانهماك في ملذّاتها الفانية أشدّ مهلك جاذب للإنسان عن قصد الحقّ ، وصادّ له عن سلوك سبيله وعن الترقيّ في ملكوت السماوات إلى حضيض جهنّم كما قال سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه ، وكما قال : حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ، وقال : الدنيا والآخرة ضرّتان بقدر ما يقرب من إحداهما يبعد من الأخرى . لا جرم كان أخوف ما ينبغي أن يخاف من الأمور المهلكة اتّباع الهوى ، وأمّا الأمل فمراده به أيضا الأمل لما لا ينبغي أن يمدّ الأمل فيه من المقتنيات الفانية وظاهر أنّ طول الأمل فيها يكون مطابقا لاتّباع الهوى وبه يكون نسيان الآخرة لأنّ طول توقّع الأمور المحبوبة الدنيويّة يوجب دوام ملاحظتها ، ودوام ملاحظتها مستلزم لدوام إعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة وهو مستعقب لا نمحاء ما تصوّر في
--> ( 1 ) 79 - 37