ابن ميثم البحراني
108
شرح نهج البلاغة
الذهن منها وذلك معنى النسيان لها وبذلك يكون الهلاك الأبديّ والشقاء الأشقى ، ولمّا كان عليه السّلام هو المتولَّي لإصلاح حال الخلق في أمور معاشهم ومعادهم كان الاهتمام بصلاحهم منوطا بهمّته العلَّيّة فلا جرم نسب الخوف عليهم إلى نفسه . قوله : ألا وإنّ الدنيا قد ولَّت . إلى قوله : صابّها . أقول : الدنيا بالنسبة إلى كلّ شخص مفارقة له وخفيفة سريعة الأجفال لم يبق منها بالقياس إليه إلَّا اليسير ، وإطلاق الصبابة هاهنا استعارة لبقيّتها القليلة ، والقلَّة هي وجه تشبيهها بصبابة الإناء أيضا . وقوله : ألا وإنّ الآخرة قد أقبلت . لمّا نبّه على أنّ الدنيا سريعة الأجفال أردف ذلك بالتنبيه على سرعة لحوق الآخرة وإقبالها ، وكلّ ذلك قطع للآمال الفانية وردع عن اتّباع الهوى . ومن آثار الصالحين : إذا كان العمر في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى . والموت هو دهليز الآخرة . وقوله : ولكلّ منهما بنون . إلى قوله : يوم القيامة . من لطائف كلامه . فاستعار لفظ الأبناء للخلق بالنسبة إلى الدنيا والآخرة ، ولفظ الأب لهما ، ووجه الاستعارة أنّ الابن لمّا كان من شأنه الميل إلى والده إمّا ميلا طبيعيّا أو بحسب تصوّر المنفعة منه . وكان الخلق منهم من يريد الدنيا . ومنهم من يريد الآخرة ، ويميل كلّ منهما إلى مراده مع ما يحصل من طرف الدنيا للراغبين فيها ممّا يتوهّمونه لذّة وخيرا ، وما يحصل من طرف الآخرة للراغبين فيها من اللذّة والسعادة أشبه كلّ بالنسبة إلى ما رغب فيه واستفاد منه الخير الابن بالنسبة إلى الأب . فاستعير لفظه لتلك المشابهة ، ولمّا كان غرضه حثّ الخلق على السعي للآخرة والميل إليها والإعراض عن الدنيا ، قال عليه السّلام : فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ثمّ ذكر فايدة رأيه عليهم بأن يكونوا كذلك . وهى أنّ كلّ ولد سيلحق بأمة يوم القيامة ، وأشار : إلى أنّ أبناء الآخرة والطالبين لها والعاملين لأجلها مقرّبون في الآخرة لا حقوق لمراداتهم فيها ، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم ما يدّعون نزلا من غفور رحيم ، وأمّا أبناء الدنيا فانّ نفوسهم لمّا كانت مستغرقة في محبّتها وناسية لطرف الآخرة ومعرضة عنها لا جرم