ابن ميثم البحراني
83
شرح نهج البلاغة
المعاني الكلَّيّة الحاصلة للنفس وتمثّلها بصور جزئيّة وتخطَّها إلى لوح الخيال للصور فتبقى تلك الصور شاهدة للحسّ المشترك ، ثمّ إن كانت المناسبة حاصلة بوجه ما كما إذا تصوّر المعنى بصورة ضدّه أو لازم من لوازمه احتيج حينئذ إلى التعبير ، وفائدة التعبير التحليل ورجوع الفكر بالعكس من الصورة الخياليّة إلى المعنى النفسانيّ ، وإن لم تكن هناك مناسبة أصلا كانت الرؤيا أضغاث أحلام ، وأمّا في حال اليقظة فالسبب في ذلك هو أنّ النفس الناطقة متى قويت وكانت وافية بضبط الجوانب المتجاذبة ولم يكن اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن ملاحظة مباديها والاتّصال بالحضرة الإلهيّة وكانت المتخيّلة بحيث تقوى على استخلاص الحسّ المشترك وضبطه عن الحواسّ الظاهرة فإنّ النفس والحال هذه إذا توجّهت إلى الجناب المقدّس لاستعلام ما كان أو ما سيكون أفيضت عليها الصور الكلَّيّة لتلك الأمور ، ثمّ إنّ النفس تستعين في ضبط تلك الأمور الكلَّيّة بالقوّة المتخيّلة فتحاكي تلك المعاني بما يشبهها من الأمور المحسوسة ثمّ تحطَّه إلى خزانة الخيال فيصير مشاهدا للحسّ فربما سمع الإنسان كلاما منظوما وشاهد منظرا بهيّا يخاطبه بكلام فيما يحبّه من أفعاله فإن كان لا تفاوت بين تلك المعاني والصور إلَّا في الكلَّيّة والجزئيّة كان ذلك وحيا صريحا وإلهاما وإلَّا احتاج إلي التأويل . وأمّا المقام الثالث - وهو صدور الإخبار بالأمور الغيبيّة عنه فستعلمها في مواضع كثيرة من هذا الكتاب إنشاء اللَّه تعالى لا يقال : لا نسلَّم أنّ ذلك علم ألهمه اللَّه إيّاه وأفاضه عليه بل الرسول صلى اللَّه عليه وآله أخبره بوقائع جزئيّة من ذلك وحينئذ لا يبقي بينه وبين غيره فرق في هذا المعنى فإنّ الواحد منّا لو أخبره الرسول صلى اللَّه عليه وآله بشيء من ذلك لكان له أن يحكى ما قال الرسول ، وأن وقع المخبر به على وفق قوله ، ويدلّ على ذلك قوله بعد وصف الأتراك وقد قال له بعض أصحابه في ذلك المقام : لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك وقال للرجل وكان كلَّبيّا : يا أخا كلب ليس هذا بعلم غيب وإنّما هو تعلَّم من ذي علم وإنّما علم الغيب علم الساعة وما عدّده اللَّه سبحانه من قوله « إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ويَعْلَمُ ما فِي الأَرْحامِ » من ذكر وأنثى وقبيح وجميل وشقيّ وسعيد ومن يكون للنار حطبا أو في الجنان للنبيّين مرافقا فهذا علم الغيب الَّذي لا يعلمه أحد إلَّا اللَّه وما سوى