ابن ميثم البحراني

84

شرح نهج البلاغة

ذلك فعلم علَّم اللَّه نبيّه صلى اللَّه عليه وآله فعلَّمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي وهذا تصريح بأنّه تعلَّم من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله لأنّا نقول : إنّا لم ندّع أنّه عليه السّلام يعلم الغيب بل المدّعى أنّه كان لنفسه القدسيّة استعداد أن تنتقش بالأمور الغيبيّة عن إفاضة جود اللَّه تعالى ، وفرق بين الغيب الَّذي لا يعلمه إلَّا اللَّه وبين ما ادّعيناه فإنّ المراد بعلم الغيب هو العلم الَّذي لا يكون مستفادا عن سبب يفيده وذلك إنّما يصدق في حقّ اللَّه تعالى إذ كلّ علم لذي علم عداه فهو مستفادة من جوده إمّا بواسطة أو بغير واسطة فلا يكون علم غيب وإن كان اطَّلاعا على أمر غيبيّ لا يتأهّل للاطلاع عليه كلّ الناس بل يختصّ بنفوس خصت بعناية إلهيّة كما قال تعالى « عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلَّا من ارتضى من رسول » ( 1 ) فإذا عرفت ذلك ظهر أنّ كلامه عليه السّلام صادق مطابق لما أردناه فإنّه نفى أن يكون ما قاله علم غيب لأنّه مستفاد من جود اللَّه تعالى ، وقوله وإنّما هو تعلَّم من ذي علم إشارة إلى وساطة تعليم الرسول له وهو إعداد نفسه على طول الصحبة بتعليمه وإشارة إلى كيفيّة السلوك وأسباب التطويع والرياضة حتّى استعدّ للانتقاش بالأمور الغيبيّة والإخبار عنها وليس التعليم هو إيجاد العلم وإن كان أمرا قد يلزمه إيجاد العلم فتبيّن إذن أنّ تعليم رسول صلى اللَّه عليه وآله له لم يكن مجرّد توقيفه على الصور الجزئيّة بل إعداد نفسه بالقوانين الكلَّيّة ، ولو كانت الأمور الَّتي تلقّاها عن الرسول صلى اللَّه عليه وآله صورا جزئيّة لم يحتج إلى مثل دعائه في فهمه لها فإنّ فهم الصور الجزئيّة أمر ممكن سهل في حقّ من له أدني فهم وإنّ ما يحتاج إلى الدعاء وإعداد الأذهان له بأنواع الإعدادات هو الأمور الكلَّيّة العامّة للجزئيّات وكيفيّة انشعابها عنها وتفريعها وتفصيلها وأسباب تلك الأمور المعدّة لإدراكها ، وممّا يؤيّد ذلك قوله عليه السّلام علَّمني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ألف باب من العلم فانفتح لي من كلّ باب ألف باب ، وقول الرسول : صلى اللَّه عليه وآله : أعطيت جوامع الكلم وأعطي عليّ جوامع العلم ، والمراد بالانفتاح ليس إلَّا التفريع وانشعاب القوانين الكلَّيّة عمّا هو أهمّ منها وبجوامع العلم ليس إلَّا ضوابطه وقوانينه ، وفي قوله وأعطى بالبناء للمفعول دليل ظاهر على أنّ المعطي لعليّ جوامع العلم ليس هو النبيّ بل الَّذي أعطاه ذلك هو الَّذي أعطى النبيّ صلى اللَّه عليه وآله جوامع

--> ( 1 ) 72 - 26 .