ابن ميثم البحراني
82
شرح نهج البلاغة
البحث الأوّل في إخباره عن الأمور الغيبيّة والنظر إمّا في إمكان ذلك أو في سببه أو في وقوعه منه فهاهنا إذن ثلاث مقامات . المقام الأوّل في إمكانه : يجب عليك أيّها الأخ المتلقّي لنفحات اللَّه إذا ذكر أنّ خليفة من خلفاء اللَّه أو وليّا من أوليائه أخبر عن أمر سيكون مبشرّا به أو منذرا ممّا لا تفي تدركه قوّتك وأنت أنت فالصواب أن لا تبادر إلى التكذيب بأمثال ذلك وتستنكره فإنّك عند مراجعة عقلك وتصفّحك لأحوال نفسك تجد كلّ ذلك ممكنا وإليه سبيلا بيان ذلك أنّ معرفة الأمور الغيبيّة في النوم ممكنة فوجب أن تكون في اليقظة كذلك أمّا الأوّل فلأنّ الإنسان كثيرا ما يرى في نومه شيئا ويقع بعده إمّا صريح تلك الرؤيا أو تعبيرها وذلك يوضح ما قلناه أمّا في حقّ الرائي ظاهر ، وأمّا من لم يرزق ذلك في حال النوم فإنّه يعلمه بالتواتر من أكثر الخلق ، وأمّا الثاني فلأنّ ذلك لمّا صحّ في حال النوم لم يكن الجزم بامتناعه حال اليقظة ، فإنّ الناس لو لم يجرّبوا ذلك في حال النوم لكان استبعادهم له في تلك الحال أشدّ من استبعادهم لوقوعه في حال اليقظة فإنّه عند عدم التجربة لو قيل لإنسان إنّ جماعة من الأولياء اجتهدوا في تلويح مفكَّراتهم الصافية حال ما هم أيقاظ في تحصيل حكم غيبيّ فعجزوا ، ثمّ إنّ واحدا من الكفّار لمّا نام وصار كالميّت حصل له ذلك الحكم فلا بدّ وأن يكذّب بذلك ويستنكره لعدم حصوله مع كمال الحركة وسلامة الحواسّ عن العطلة وكمال العبادة ، وحصوله مع أضداد ذلك فقد بان بذلك أنّه لمّا كان في حال النوم ممكنا كان في حال اليقظة كذلك . وأمّا المقام الثاني وهو بيان السبب في الاطَّلاع على الأمور الغيبيّة : فأمّا في حال النوم فهو أنّه قد ثبت في العلم الإلهيّ أنّ جميع الأمور الَّتي يصدق عليها أنّها كانت أو ستكون معلومة للَّه تعالى ، وثبت أنّ النفس الإنسانيّة من شأنها الاتّصال بجناب اللَّه تعالى وإنّما يعوقها عن ذلك استغراقها في تدبير البدن فإذا حصل لها أدنى فراغ من ذلك كما في حال النوم وانغلقت عنها أبواب الحواسّ الظاهرة رجعت بطباعها إلى الاتّصال بالجناب المقدّس فينطبع فيها من الصور الحاصلة هناك ما هو أليق بها من أحوالها وأحوال ما يقرب منها من الأهل والولد وما يهتمّ به ، ثمّ إنّ المتخيّلة الَّتي من طباعها المحاكاة تحاكي تلك