ابن ميثم البحراني

61

شرح نهج البلاغة

أن يتلقّاها العاميّ بعاميته ينبغي أن تكون من الجنس الَّذي لا يرتفع عن مقامه ارتفاعا بعيدا بل تكون بألفاظه عذبة غير ركيكة عاميّة ولا متينة يبنو فهمه عن قبوله كما سنذكره إنشاء اللَّه تعالى ، وقد أشار التنزيل الإلهي إلى هذه الصناعة في قوله « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » فسبيل ربّك هو الديانة الحقيقية ، والحكمة هي البرهان ، وذلك لمن يحتمله ، والموعظة الحسنة هي الخطابة وهى لمن قصر عن درجة البرهان ، أو جادلهم بالَّتي هي أحسن أي بالمشهورات المحمودة وأخّر الجدل عن الصناعتين لأنّهما مصروفتان إلى الفائدة ، والمجادلة مصروفة إلى المقاومة والغرض الأوّل من المخاطبة إنّما هو الإفادة ، والغرض الثاني هو مجاهدة من ينتصب للمعاندة فإذن الخطابة صناعة وافرة النفع في مصالح المدن وبها تدمّر العامة وتنتظم أحوالهم . البحث الثاني في موضع الخطابة وأجزائها وليس للخطابة نظر في موضوع معيّن ، وذلك لأنّ العامة لا يهتدون إلى تمييز بعض الموضوعات عن بعض إذ كان تخصيص الكلام في موضوع معيّن مبنيّ على مبادئ تليق بذلك الموضوع وحده لا يعرفها العاميّ ، ونظر الخطابة بالذات في الجزئيات من أيّ مقولة اتّفقت ولا يخصّ جزئيّا دون آخر بل يقصد بها الإقناع من أيّ جزئيّ اتّفق على أنّ لها أن تنظر بالغرض في الأمور الكلَّية من الإلهيّات والطبيعيّات والخلقيّات والسياسيّات ، والخطابة لها أصل ومتمّمات تتمّمها وتعين عليها أمّا الأصل فهو القول الَّذي يظنّ أنّه لذاته يفيد إقناعا وأمّا المتمّمات فجملتها ترجع إلى حرف واحد وهو أنّه لمّا كان الغرض من الخطابة ليس إلَّا الإقناع كان كلّ مقنع ناسب الغرض منها فهو من متمّماتها والأمور المقنعة إمّا قوليّة يراد بها صحّة قول آخر كالقول الَّذي يقصد به الخطيب تقرير فضيلته عند السامعين أو القول الَّذي يروم به إثبات أنّ الشهادة مقنعة أو كون المعجزة حجّة ، وإمّا شهادة ، وإمّا حيلة أمّا الشهادة فإمّا قوليّة وإمّا حاليّة أمّا القوليّة فكالاستشهاد بقول نبيّ أو إمام حكيم أو شاعر وتسمّى شهادة مأثورة ، أو الاستشهاد بأقوال قوم يحضرون فيصدّقون قول القائل إنّ الأمر كان ، أو الاستشهاد بشهادة الحاكم أو السامعين بأنّ القول مقنع وتسمّى شهادة محصورة ، أمّا الحاليّة فإمّا أن تدرك بالعقل أو بالحسّ والأولى فضيلة القائل واشتهاره بالصدق والتمييز ، وأمّا الحال الَّتي تدرك بالحسن فإمّا بواسطة القول أو بدونه أمّا