ابن ميثم البحراني
62
شرح نهج البلاغة
الأوّل فكالاستشهاد بالمعجزة عقيب التحدّي على صدق قول المدّعي ، وكشهادة حال الحالف عقيب يمينه على قبول قوله ، وكشهادة حال المتعاهدين على قبول أقوالهما بعد وضع العهود الَّتي هي أقوال مدوّنة مكتوبة ، وأمّا الحال المدركة بالحسّ من غير القول فإمّا أحوال تتبع إنفعالا نفسانيّا كشهادة سخنة وجه المخبر ببشارة على قبول قوله أو شهادة سخنة المذعور الخائف المخبر عن نزول عذاب أو حلول آفة على قبول قوله ، أو تكون طارية من خارج كشهادة جراح القائل أو غيره على قدوم العدوّ للحرب ، وأمّا الحيلة فتفيد الإعداد ، والإعداد إمّا للقائل بحيث يكون مقبول القول أو للقول بحيث يصير أنجع وأنفع أو للسامع بحيث يكون أقبل وأمّا القائل فإن يتكلَّف الاستشهاد على فضيلة نفسه والدلالة عليها أو يتهيّىء بهيئة ويتزّيىء بصورة تجعل مثله مقبول القول وأمّا القول فإن يحسن فيه تصرّفه فتارة يرفع به صوته وتارة يخفضه وتارة يثقله وتارة يليّنه ويحزنه ويلاحظ في ذلك حال من يقصد إسماعهم كما سيأتي في التزئينيّات ، وأمّا السامعون فإمّا مخاطب بالقصد الأوّل ، وإمّا حاكم يحكم بين المتخاطبين وإمّا نظارة أمّا المخاطب فيحتاج أن يستعطف ويستمال ليبخع إلى تصديق القائل وكذلك الحاكم ، وأمّا الناظر فيكفي فيه أن يهيّىء بالحيلة بهيئة مذعن مصدّق وإن لم يقع له التصديق ، والتأثر الحاصل للمستمع أمّا انفعال كالرقّة والرحمة في الاستعطاف ، والقساوة والغضب في الإغراء ، وإمّا ايهام خلق كايهام الشجاعة أو السخاوة أو غيرهما فعاد الأمر إلى أنّ الأقوال الخطابيّة الَّتي يقصد بها التصديق ثلاثة أصناف أصل ويسمّى عمودا وهو القول الَّذي يراد به التصديق نفسه ، والثاني النصرة وهي القول الَّذي ينصر به ماله تصديق كالشهادة ، والثالث الحيلة وهي قول يفاد به انفعال شيء أو ايهام الخلق وهما متمّمات للأصل فهذه أجزائها . البحث الثالث في مبادئ الخطابة : واعلم أنّ مبادئ الأقوال الخطابيّة ثلاثة أحدها المشهورات المحمودة وهي إمّا حقيقيّة اتّفق عليها الجمهور وتطابقت عليها الشرائع والسنن وهى الَّتي إذا تعقّبت بالنظر لم يزل حمدها وإن اطَّلع على كذبها كحسن الصدق وقبح الكذب والظلم وغيرها ، وإمّا محمودة ظاهرة في باديء الرأي وهى الَّتي تعافص الذهن فيحكم بصدقها قبل التفطَّن لها فإذا تعقّبت زال حمدها لظهور كذبها وشنعتها كقوله انصر أخاك