ابن ميثم البحراني
60
شرح نهج البلاغة
هو المقصود بالتخصيص ، وهكذا المبتدأ والخبر أيّهما أخّرته عن إلَّا فهو المراد بالتخصيص كقولك ما زيد إلَّا قائم فالمراد تخصيص هيئة القيام دون سائر الأحوال أو ما القائم إلَّا زيد فهو تخصيص لزيد دون غيره ، وأمّا تحقيق ذلك في إنّما فأمّا في الفاعل والمفعول فأيّهما أخّرته عن صاحبه فهو المقصود أيضا كقولك إنّما ضرب عمروا زيد فالمقصود تخصيص زيد ومنه قوله تعالى « إِنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » ( 1 ) ولو قدّم العلماء لكان المقصود تخصيص خشية اللَّه وكذا الحال في المبتدأ إن تركته على حاله فالاختصاص للخبر كقوله تعالى « إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ » ( 2 ) وإن أخّرته عن الخبر صار التخصيص له كقوله تعالى « فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وعَلَيْنَا الْحِسابُ » فإنّ التخصيص في الأوّل للخبر وفي الثاني للمبتدأ هذا بحسب المتبادر إلى المفهوم من ذوق العربيّة وباللَّه التوفيق . القاعدة الثانية في الخطابة وفيه أبحاث وخاتمة . البحث الأوّل في حقيقة الخطابة وفائدتها - الخطابة صناعة يتكلَّف فيها الإقناع الممكن للجمهور فيما يراد أن يصدّقوا به ، وقولنا يتكلَّف فيها الإقناع أردنا أنّه يتعاطى فيها هذا الفعل المخصوص بأبلغ قصد ليتمّ ، والإقناع الممكن هو الفعل الَّذي يتكلَّف وأردنا به ما يمكن من الإقناع ، والخطابة في الإقناع أنحج من غيرها وفائدتها في تقرير المصالح الجزئيّة ، وقد تفيد أيضا تقرير القوانين الكلَّية لتلك المصالح كالعقائد الإلهيّة والقوانين العمليّة وهى عظيمة النفع جدّا لأنّ الأحكام الصادقة ممّا هو عدل وحسن أتمّ نفعا وأعود على الناس فائدة وأعمّ جدوى من أضدادها لأنّ نوع الإنسان إنّما هو مستبقى بالتشارك ، والتشارك يحوج إلى التعامل والتحاور وهما محوجان إلى أحكام صادقة في الأمور العمليّة ليثق كلّ بصاحبه وينتظم شمل المصلحة بينهم وبأضداد الأحكام الصادقة يتشتّت فيحتاج أن يكون هذه الأحكام مقرّرة في النفوس متمكَّنة من العقائد ، والخطابة هي المتكفّلة بحمل الجمهور على التصديق بها فإنّ البرهان والجدل وإن قصد بهما التصديق إلَّا أنّ الجمهور قاصرون عن درجة البرهان الجدل وإن كان صناعة ضعيفة بالقياس إلى البرهان فهو أيضا يسير الفائدة للعامّة صعب بالقياس إلى فطنهم وهم عاجزون عن قبوله ، والمخاطبة الَّتي يجب
--> ( 1 ) 35 - 25 ( 2 ) 9 - 94