ابن ميثم البحراني

53

شرح نهج البلاغة

قولك وأفعل بعضه في العرف ، وعلى هذا يظهر الفرق بين الرفع والنصب في قول أبي النجم قد أصبحت أمّ الخيار تدعى علىّ ذنبا كلَّه لم أصنع . فإنّ نصب كلّ يقتضي سلب العموم ورفعه يقتضي عموم السلب . البحث السادس في استيفاء أقسام التقديم والتأخير : واعلم أنّه قد يختلف حال الكلام في التقديم والتأخير اختلافا كثيرا وقد يدقّ الفرق بين تقديم الكلمة وتأخيرها كقوله تعالى جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ » فبتقديم شركاء يفهم أنّه ما كان ينبغي أن يكون له شريك لا من الجنّ ولا من غيرهم والذّم إنّما توجّه إليهم لإثباتهم شركاء أمّا لو قدّم الجنّ لم يفهم إلَّا أنّهم عبدوا الجنّ ، وأمّا إنكار المعبود الثاني فغير مفهوم منه ويكون الذّم إنّما توجّه عليهم لعبادة الجنّ دون غيرهم ، فينبغي أن تلمح الفروق في تقديم بعض الكلام على بعض وتأخيره ، ولنذكر مواضع حسن التقديم والتأخير أمّا التقديم ففي مواضع عشرة . الأوّل أن تكون الحاجة إلى ذكره أتمّ والعلم به أهمّ كقوله تعالى « وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ » ( 1 ) فإنّ تقديم الشركاء أولى لأجل أنّ المقصود التوبيخ على جعل مطلق الشريك بخلاف ما لو أخّر . الثاني أن يكون التأخير أليق باتّصال الكلام كقوله تعالى « وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ » فهذا أليق بما قبله وبما بعده من تأخير المفعول . الثالث أن يكون الأوّل أعرف من الثاني كتقديم المبتدأ على الخبر والموصوف على الصفة فينبغي أن تبتدىء في قولك زيد قائم بزيد لتتوصّل النفس بذكر ما يعرف إلى الإخبار عنه بما لا يعرف فتقع الفائدة حينئذ على حدّها وفي مرتبتها قال الإمام : ولا ينتقض هذا بتقديم الفعل لأنّ الفعل لفظ دالّ على ثبوت معنى لموضوع غير معيّن في زمان معيّن من الثلاثة والإسناد كالجزء الذاتي لمفهوم الفعل والإسناد أمر إضافيّ ، والعقل إذا حصل له الشعور بالإضافة فلو توقّف هناك ولم ينتقل إلى ما إليه الإسناد كانت الإضافة مستقلَّة بالمفهوميّة وهو محال ، وإن انتقل إلى ما اسند إليه الفعل فذلك الشيء هو الفاعل

--> ( 1 ) 6 - 100