ابن ميثم البحراني

54

شرح نهج البلاغة

فإذن من ضرورة الإسناد فهم المسند إليه وإذا أوجب هذا الترتيب في الذهن وجب أيضا في الألفاظ لمطابقة ما في الذهن لما في الخارج ، وأقول : قد سبق أنّ الفعل إذا قدّم في الإخبار كان لأجل أنّ ذكره أهمّ لأنّ المقصود من ذكر الجملة الفعليّة لا ذات الفاعل بل ذكر الحدث المخصوص في الزمان المعيّن ونسبته إلى الفاعل وإذا كان كذلك جاز أن يقال : إنّ تقديم الأعرف يكون واجبا وإذا كانت الكلمتان متساويتين في الاهتمام بذكرهما وأمّا إذا كان ذكر أحدهما أهمّ كان تقديمه أولى . الرابع تقديم الحروف الَّتي لها صدر الكلام كحروف الاستفهام والنفي والنهي قال الإمام : تحقيقه أنّ الاستفهام طلب فهم الشيء وهو حالة إضافيّة إذا أدركها العقل انتقل منها إلى معروضها وإذا أوجب أن ينتقل منها إلى معروضها وجب أن يكون في اللفظ كذلك فيقدّم ما يدلّ على الإضافة فيلحق بما يدلّ على معروضها ، وأقول : يمكن أيضا أن يكون تقديم هذه الحروف من باب ما كان أهمّ وذلك أنّ الاستفهام والنفي والنهي معان معقولة وهى المطلوبة من الجملة الداخلة عليها بالذات فكانت أهمّ فكانت أولى بتقديم الذكر وكذلك الأدوات الدالَّة على أحوال النسب بين أجزاء الكلام فإنّ وأخواتها ، وكان وأخواتها ، وعسى وبابها ، ونعم وبئس فإنّها تقدّم لأنّ معانيها هي المقصودة بالقصد الأوّل من الجمل الداخلة عليها . الخامس تقديم الكلَّي على جزئيّاته لأنّ الكلَّي أعرف عند العقل وتقديم الأعرف أولى . السادس تقديم الدليل على المدلول . السابع تقديم الناقص على تمامه كتقديم الموصول على الصلة ، والمضاف على المضاف إليه لأنّ تمام الشيء لا يتقدّم عليه . الثامن تقديم الأسماء المتبوعة على توابعها لأنّ التابع لا يتقدّم متبوعه . التاسع تقديم المظهر على ضميره لأنّ الحاجة إلى الضمير إنّما هو لإلحاق أمر من الأمور بذي الضمير وذلك يتأخّر عن تحقّق ذي الضمير في العقل فيجب كذلك في الوضع كقولك ضرب زيد غلامه ، وقضى زيد حاجته .